سيكولوجية الحلم

أما لهذا العذاب من حد يقف عنده؟ أراني أتقلب على جمر من الألم النفسي، لا أدري له سبباً واضحاً، يصاحبني مذ وعيت على الدنيا في سالف العهد، كنت صغيراً، وكانت اهتماماتي صغيرة بقدري حجمي، أتذكر أنني كنت أجدني في أحيان عديدة قلقاً متوتراً، تتوق نفسي لأشياء بسيطة جداً من منظور عالم الكبار، كنت إذا ملكت درهما تاقت نفسي لدرهم آخر، قلق نفسي رهيب، وتوتر ينخر قلبي كجائحة السوس من أجل درهم! 

      

سذاجة بالغة! لدرجة أنني كنت أَسلكُ نفسي في خيالات ممعنة في العجب، فكم تمنيت أن تنفتح لي أبواب السماء في لحظة غفلة عن الناس، لأطلب من ربي أن يمدني بدرهم دون مزاحمتهم في الطلب، كنت أحملق في النجوم في سهرات الليل الصائفة الصافية، مترقبا انفراجها عن ملكوت الله بإصرار عجيب جداً، حتى إذا أصابتني نوائب الضجر، أرجأت تحقق الأمنية إلى ساعة أخرى من ليل آخر.

          

كبرت ونسيت كل هذه الأحلام الصغيرة، وأصبحت أملك الدرهم والدرهمين والثلاثة دون أن أنتظر أن تفتح السماء أبوابها لأطلب من الله أن يمدني بدرهمين! لكن هذا لم يجعل النفس خالية من أي مطمع ينخر رتابة الأيام، فقد كبرت وكبرت أحلامي بقدر حجمي مرة أخرى، وتاقت لاقتناء ساعة يدوية جميلة ثمنها دراهم معدودات، تتراقص أرقامها في خطوط مستقيمة عجيبة، لكنني رغم ذلك لم أتخلص من فكرة تحقق الأمنية دون عناء مني، دائماً ما كنت أنتظر عنصر المباغتة الذي يحقق الحلم دونما تعب يذكر، بل أجد أن مجرد الرغبة، ومجرد تدخل شيء خارق يكفي لحل المعضلة، إذ إلى جانب انتظار الحلم القديم بتفتح أبواب السماء، كنت أنتظر في وجل انبثاق جني أمامي من سحابة دخان، يسألني عن حاجتي التي أريدها وأتوق إليها، رغم أنني كنت أرتعب من الجن وحكاياتهم في ذلك العهد، إلا أنني في سبيل الحلم المُلح كنت مستعدا لأن أطلب منه ساعتي اليدوية في لحظة تغلب على المخاوف، وإلا فما قيمة الحلم إن لم نغامر في سبيله! ظلت أحلامي كذلك، ولم يتحقق ما كنت أرجوه من تفتح أبواب السماء، ولا من ظهور الجني، إذ خيب ظني فلم ينبثق يوماً من المجهول ليسألني عن رغبتي.

             

بطريقة من الطرق المشروعة حصلت على الدراجة، بل تحقق الأمر كما حلمت بالضبط، وفي غمرة اللعب نسيت أمر أبواب السماء، وقصة الجني المنبثق من ركام الدخان الأبيض
 

بالرغم من ذلك، حصلت على الساعة اليدوية العادية، بطريقة من الطرق المشروعة، وبعدها بفترة قصيرة، حصلت على أخرى أكثر تميزاً منها، إذ كانت ساعة برمائية!  لكن أهدأت النفس الأمارة بالحلم! لم أكد تمثلَ لحظات النشوة بتحقق الأمنية حتى طفا على موجة الواقع حلم آخر، فحلمت ومنيت النفس بابتياع دراجة هوائية، فاستعنت على تحقيق هذا الرغبة بالأمرين معاً، لا بواحد فقط، فقد كبرت اهتماماتي، وكبرت معها طرق تحقيقها، انتظرت باب السماء، وانتظرت أيضا انبثاق الجني، وكان ينتابني شعور أنه سيحصل الأمران معاً، فكنت أدخل في فترات أدرب نفسي فيها على سرعة الطلب من هذا وذاك دون أن تفلت الفرصة، وبذلك سأحصل على دراجتين هوائيتين بدلاً من واحدة فقط، الأجمل فيهما لي، والأقل جمالاً لأخي، إذ لا أريده أن يرهقني بطلبه اللعب معي فيما لو كانت لدينا دراجة هوائية يتيمة! لكن شيئا من ذلك لم يحصل، لا السماء فتحت أبوابها، ولا الجني ظهر في صدفة الضباب، ولكن بطريقة من الطرق المشروعة حصلت على الدراجة، بل تحقق الأمر كما حلمت بالضبط، إذ حصلت على دراجتين، الجميلة والأقل جمالاً، كانت سعادتي بهاتين الدراجتين الهوائيتين لا توصف، وفي غمرة اللعب نسيت أمر أبواب السماء، وقصة الجني المنبثق من ركام الدخان الأبيض.

                     

النفس اليوم تتوق لأمر آخر، أكثر تعقيداً، لا يُمتلك بالاقتناء، ولا يُشترى بمال الدنيا، لكنه سيتحقق كما تحقق غيره، بمعونة الله وحده وعزيمة النفس نفسها التي لا تنتظر أبواب السماء لتفتح، ولا الجني لينبثق، بل بالعمل الجاد

أدركت أخيراً أن للأمور منطقاً آخر، ولسنن الحياة ناموساً أقل تعقيداً من انفراج السماء عن ملكوت الله، وانبثاق الجن من أكوام الدخان، لكن هذا أيضا لم يقف في وجه الثقب الأسود في نفوسنا، فحلمت باقتناء حاسوب ثابت، خرجت للشارع، وشمرت عن ساعد الجد، ناسياً كلما يتعلق بالسماء والجن، فحصلت عليه، وكنت أعتقد بسذاجة أنني يوم أحصل عليه ستكتمل سعادتي الناقصة في هذا الكون، ولن أطلب شيئا بعدها، لكن النفس تاقت بسرعة فائقة إلى حاسوب آخر، لكن بقيمة مضافة تميزه عن هذا الذي عندي، ميزته أنه حاسوب محمول متنقل! طوع يدي، أحمله متى شئت، وأنى شئت، طالما تخيلتني متأبطا إياه في الشارع، أو حاملاً له بين يدي في رحلة مع الصحاب، وهم متجمهرون حول الشاشة نشاهد مقطعاً، أو نلعب لعبة، لم يطل الأمر واقتنيته أيضاً، لكن إلى الآن لم يتجمهر حولي أصدقاء، ولم نشاهد مقطعاً ولم نلعب أية لعبة، بل لم أحمله معي قط في رحلة! وهو الآن في زاوية من زوايا غرفتي على المنضدة يعلوه غبار السنين، لا أحد يكترث له أو يعيره أدنى اهتمام، حيث أصبح شيئا قديماً تجاوزه الزمن! 

              

والنفس اليوم تتوق لأمر آخر، أكثر تعقيداً، لا يُمتلك بالاقتناء، ولا يُشترى بمال الدنيا، لكنه سيتحقق كما تحقق غيره، بمعونة الله وحده وعزيمة النفس نفسها التي لا تنتظر أبواب السماء لتفتح، ولا الجني لينبثق، بل بالعمل الجاد، وتذليل الصعاب بالاستمرار الدائب، ودون أن تكون لها تلك الرؤية المغرقة في السذاجة من أن السعادة هناك على قمة تحقيق ذلك الأمر، بل إنها مدركة تمام الإدراك أن كمال النفس وراحتها في تقلبها من توق إلى توق، ومن رغبة إلى أخرى، ومن شوق إلى أخيه، ومن تحد إلى قرينة، ومن هدف إلى نظيره "حتى يَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة