امشِ.. ولا تبالي

يقول الفيلسوف الألماني نيتشه "إن الأفكار التي تأتيك وأنت تمشي هي فقط ذات القيمة العظيمة"، والحقيقة أن الاعتياد على المشي يجعلك متأكدا تماما من هذا الكلام، فقد اكتشفت مؤخرا أن أغلب قراراتي اتخذتها وأنا أمشي، فكلما صادفتني مشكلة، أو تطلب الأمر مني الحسم في بعض الأمور، وجدتني أضع قدماي داخل أول حذاء أصادفه وأمشي، مما جعلني أتساءل عن عدد الكيلومترات التي قطعتها في حياتي جيئة وذهابا، خاصة وأن صلتي الوطيدة بالمشي صلة قديمة بدأت عندما كنت أحفظ دروسي "مشيا"، إما في البيت أو في حديقة إحدى المؤسسات الثقافية القريبة من بيتنا، فلم أكن أجلس إلا للقراءة أو الكتابة. 
وارتباطي هذا بالمشي، كان قبل أن أقرأ مقالات علمية عديدة تعتبر المشي رياضة مثالية، لكونه يقوي القلب وينشط الدورة الدموية ويقي من الأمراض، علاوة على كونه متاح للجميع وغير مكلِّف. فالأمر لا يحتاج سوى أن تنتعل حذاء مريحا لتنطلق! وأكدت عديد الدراسات، بأنّ المشي المنتظم بوتيرة سريعة لأكثر من نصف ساعة يوميا، يساعد في تنشيط الذاكرة و يعزز وظائف المخ، وهو ما يفسر النقاشات الحادة التي كنت أخوضها مع أفكاري، حتى إنني أزعم بكوني كتبت أثناء المشي نصوصا كثيرة، وخواطر بدت لي وقتها من الروعة بمكان، غير أنني لم أتمكن من تدوينها بعد ذلك، فلم أكن حريصة وقتها على حمل قلمي ومذكرتي، وربما لأنني لم أكن قد سمعت بعد بنصيحة الإمام الشافعي لألتزم بها:
العِلمُ صَيدٌ والكِتابةُ قَيدُهُ قَيِّدْ صيودكَ بالحِبالِ الواثِقَة
فَمِن الحَماقَةِ أَنْ تَصيدَ غَزالَةً وتَترُكها بَينَ الخَلائقِ طالِقةَ

إذا خانك من وثقت به لا تبالي، إذا فقدت وظيفتك لا تبالي، وإذا رسبت في امتحان ما لا تبالي، حتى لو وجدت من يعرقل خطواتك في الحياة، امشي ولا تبالي

ولعل أجمل شيء قرأته عن المشي كان عن أولئك الفلاسفة اليونانيين الذين اتخذوا منه ملهما لهم، حيث ولدت نظرياتهم الفلسفية في الوجود والحياة أثناء المشي، مما أهلهم أن يحملوا لقب "سادة المشي" بجدارة. إنهم الرواقيون تلاميذ الفيلسوف "زينون" الذي انتشرت تعاليمه في القرن الثالث قبل الميلاد. وهذا يعني أن أهمية المشي اكتشفت قديما، مما يؤكد أنه ليس مجرد تحريك الأقدام بالتتابع للانتقال من مكان إلى آخر، بل هو أيضا مصدر للإبداع والخلق.

ماذا لو كان هؤلاء الرواقيين موجودين في عصرنا الحاضر؟ سؤال خطر ببالي وأنا أكتب هذه السطور. أتصور أنني كنت سأقابلهم مرارا وتكرارا أثناء تجوالي هنا أو هناك، كنت ولا شك سأقاسمهم نظرية اللامبالاة بأي شيء سواءً كان ممتعا أو مؤلما، لربما خففوا من وطأة حرصي الزائد على الأشخاص والأشياء من حولي، ولكنت وفرت على نفسي الكثير من المتاعب و"وجع القلب".  فالرواقيون هم أول من أنشأ مصطلح اللامبالاة، وهي تعني بالنسبة لهم كبح جماح العواطف والمشاعر، وترك زمام القيادة للعقل. والحقيقة أن الكثير من مشاكلنا اليومية لا تحتاج بالفعل سوى اللامبالاة، وعدم أخذها مأخذ الجد.

وعليه، إذا خانك من وثقت به لا تبالي، إذا أعطيت كثيرا ولم تلى سوى الجحود لا تبالي، إذا فقدت وظيفتك لا تبالي، وإذا رسبت في امتحان ما لا تبالي، حتى لو وجدت من يعرقل خطواتك في الحياة، امش ولا تبالي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أظهرت دراسة ألمانية حديثة أن ممارسة الرياضة البدنية بانتظام كركوب الدراجات لا تقي من الضعف الإدراكي وخرف الشيخوخة فقط، بل تحمي خلايا الدماغ العصبية من التلف.

قالت جمعيتان أميركيتان مهتمتان بأمراض القلب والجلطات الدماغية إن أسلوب الحياة الذي يحافظ على سلامة القلب مثل الرياضة والغذاء المتوازن يمكن أيضا أن يحمي العقل من تراجع النشاط الذهني والخرف.

الأكثر قراءة