الازدواجية في المجتمع.. أين يكمن الخلل؟

كلما تصفحت مواقع التواصل الاجتماعي والتي كانت يوما من أجل التواصل، وتبادل الأفكار والتعرف على ثقافات أخرى والانفتاح على العالم، إلا ووجدت عناوين لا تبشر بخير وتنقل خبر فضيحة أخلاقية ما والتي تفشت في مجتمعنا هذه الأيام. يا ترى أين يكمن الخلل لنصل إلا هذا الانحلال الأخلاقي؟ فكلما ظهرت فضيحة ما إلا ونرى سخط عارم على مرتكبها، هذا يحلل الأسباب وهذا يعطي مبررات وآخر يقترح عقوبات. لكن أين نحن من كل هذا، فكل منا مسؤول بطريقة أو بأخرى على كل ما يحدث الآن.

        

لو ننطلق من أنفسنا نغير ما يجب تغييره كتصرفات وكعادات وكطريقة تربية وكمعاملات، لو نركز على المصلحة العامة ونحاول إقصاء المصلحة الخاصة لكانت الحلول مرضية للجميع، فالأنانية التي تعشش فينا ونحن صغار منذ كانت الأم توصي ابنها لعدم مشاركته لعبه مع غيره بحجة الحفاظ عليه، ونحن كبار حين نفكر بأننا إذا ساعدنا شخصا ما فهو استغلال من طرفه، أين وصلنا بأفكارنا هذه، هل نحن فعلا من نريد تغيير هذا المجتمع؟ في حين نحن من ينتقد بدون أن يحرك ساكنا ليؤسس هذا التغيير.

        

هذه الازدواجية أو السكيزوفرينيا هي العائق أمامنا. لو نتوقف على الانتقاد فقط  ونركز على الإصلاح أو حتى المساهمة فيه سنكون قد أعطينا فرصة لإظهار هذا التغيير، وذلك بالتركيز أولا على التربية ثم التربية فهي الحل الأساسي، لا أعني تربية الوالدين فقط وإنما هناك إلى جانب تربية البيت، تربية الشارع وتربية المدرسة ووجود القدوات الذين افتقدناهم اليوم وبتنا نسمع عن سب رجل دين أو عالم وتمجيد مغني نحتفي بأغانيه في كل مناسبة وندافع عنه ونحميه لمجرد أنه مشهور حتى أننا لا نعرف حقيقة أمره ونتغاضى عن القيم والأخلاق، كما أصبحت جملة "الكل يفعل هذا" كمبرر مقبول لكل سلوك غير أخلاقي.      


 انسقنا كثيرا نحو التطور والانفتاح اللذان فهمناهما بالعكس، فهمنا أن التطور هو اتباع الشهوات والحرية هي افعل ما تريد حتى لو تضرر الآخر
 


فبناء مجتمع يحتاج إلى إنسان حقيقي عنده كلمة "الأنا" مجرد فلسفة وكلمة "الكل" واقع يجدر الإيمان والعمل به لسيرورة التطور الاجتماعي. لو أن كل قاصر ارتكب جريمة أخلاقية أعدنا إصلاحه ليكتشف حجم الجريمة التي ارتكبها لأنه سيكون بالفعل لا يعلم حجمها ولا فضاعتها، أما العقوبة السجنية فلن تغير فيه شيئا غير أنه سيخرج من السجن أكثر إجراما وسوداوية وسنكون بذلك قد هيأنا وأخرجنا مجرما كامل الأوصاف للمجتمع الذي ندعي بأننا نحميه من هذه الشريحة. أما الضحية فوجب الاهتمام بها بحالتها النفسية والجسدية. ليس هناك أكثر إيلاماً من رؤية قيم مجتمع تشوه فعلاً، أصبح يحز في أنفسنا رؤية مثل هذه الأخبار كل يوم حتى كرهنا تصفح هذه المواقع خوفا من سماع خبر ما قد يجعل يومنا يتكهرب. اشتقنا لزمن المعلم هو القدوة والأب رب الأسرة وحاميها والأم أساس البيت وسكينته، افتقدنا القيم والاحترام والفرحة التي تعم كل تجمع سواء للعائلة أو للأصدقاء أو حتى لزملاء الشغل.

        

بتنا لا نعرف طعم هذه الأشياء، انسقنا كثيرا نحو التطور والانفتاح اللذان فهمناهما بالعكس، فهمنا أن التطور هو اتباع الشهوات والحرية هي افعل ما تريد حتى لو تضرر الآخر والانفتاح هو التخلي عن القيم والتقليد الأعمى للغرب. فما بالنا نقلدهم في لباسهم ولا نقلدهم في احترامهم للآخر وحفاظهم على الملك العام. ركزنا جدا على التطور في الآلات وفي التكنولوجيا وفي الاقتصاد في كل شيء، لكن لم نركز قط على بناء الإنسان، همشنا التعليم ونقصنا من دور المعلم وملأنا المحافظ بمقررات يتغير محتواها كلما أراد سوق الكتب ذلك. لم يعد يجدي نفعا الكلام فقط هذه المعضلة أو تحليلها ووضع حلول على الورق، نريد حلول ملموسة تظهر على الطفل والتلميذ والطالب والغني والفقير أردناها حلولا تحسسنا بأن هناك أمل في أن نرى أجيالا تنسينا في كل ما يقع اليوم. تغنينا كثيراً بهذا الأمل أو الحلم لكنه مازال مجرد أغنية نرددها كلما شعرنا بأن هذا الحلم يضيع.

        

الخلل فينا، لننطلق من تغيير أنفسنا ولا نرمي الكرة لأي كان ليتحمل ما يجب علينا نحن تحمله، كفانا اتكالية وأنانية. فرصنا عديدة وليست عديمة فقط وجب استغلالها في المسلك الصحيح ولصالحنا جميعا

تكررت الجرائم وتكررت المواقف وكثرت الضحايا وكل هذا ولم ننجز تغييراً ملموسا فقط نكتب وننتقد ونحلل ما يقع. ما عسانا فاعلين ونحن من نظن أن كل مسؤول عن فعلته في حين أننا كلنا مسؤولون سواء من قريب أو من بعيد نعم مسؤولون، ستقولون كيف ذلك، مسؤول أنا كمعلم عندما أهمش تلميذا لمجرد أنه كسول في الدراسة فيسود داخله ويفهم على أنه شخص لا يصلح لشيء إلا للشغب، ومسؤول كأب أحرص على توفير الأكل والشرب لأبنائي دون أن أصاحبهم وأعرف ما يفعلون وبماذا يفكرون وما تحصيلهم الدراسي، مسؤولة أنا كأم حين أوهم ابني بأنه رجل ويحلو له أن يفعل ما يريد وأن أغرس في فكر ابنتي أن الزواج هو عرس ولباس أبيض والأمومة هي إنجاب أطفال ومسؤول كصديق أو كصديقة لا أحرك ساكنا حين أرى صديقتي أو صديقي دخل في حالة اكتئاب يمكن أن ينجم عنه انتحار، مسؤول أنا كرجل (امرأة) قانونيا، مسؤول أنا كرجل (امرأة) سياسياً، مسؤول أنا حين أكون في مراكز القرار، مسؤول أنا أينما كنت، المسؤولية أكثر من واجب أفعله لأرضي به ضميري، المسؤولية أتضرر أنا ومن حولي إذا أخلفت بالتزامها. لنتعاطى مع مسؤولياتنا على تغيير حالنا اليوم ليس كشر لابد منه بل كخير لابد من الوصول إليه، طمعنا في رؤية واقع أفضل لنا وللأجيال القادمة ليس بمستحيل. كل حلم وكل أمل سعينا على تحقيقه ستكون له النتيجة التي أردناها.

        

إلى كل أب، إلى كل أم، إلى كل مدرس، إلى كل ممرض، إلى كل طبيب، إلى كل مهندس وإلى كل شخص مسؤول عشمنا فيكم لنرى عقول منيرة تعرف ما لها وما عليها. الخلل فينا، لننطلق من تغيير أنفسنا ولا نرمي الكرة لأي كان ليتحمل ما يجب علينا نحن تحمله، كفانا اتكالية وأنانية. فرصنا عديدة وليست عديمة فقط وجب استغلالها في المسلك الصحيح ولصالحنا جميعا. أتمنى يوما أن أدخل لأتصفح مواقع التواصل الاجتماعي كعادتي وأجد عناوين أخبار غير هذه التي اعتدناها، مثلا فلان 15 سنة حطم الرقم القياسي في لعبة الشطرنج، فلانة صاحبة أكثر الكتب تأثيرا وقراءة في العالم رشحت لنيل جائزة نوبل للأدب وأخرى تكتشف جديد في علم الأعصاب، وقاصر كان قد ارتكب جريمة سرقة واليوم تخرج من الإصلاحية كحاصل على دبلوم متخصص في الكهرباء الصناعية. أخبار يمكن أن تقلب مزاجك 180 درجة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتسم المواقف الأوروبية تجاه اليهود بالازدواجية في كثير من القضايا الإستراتيجية, ويقول الكاتب إن لهذه الازدواجية تاريخا طويلا يتجسد بشكل واضح فيما يعرف بالهولوكوست الذي أصبح تجارة رابحة استخدمها اليهود لابتزاز الدول الأوروبية لمساندة إسرائيل وتسويغ ممارساتها ضد الفلسطينيين.

الأكثر قراءة