أفقر مائة في العالم

هَبْ أنّكَ صحوت يوماً على اسمك وهو يطفو على قائمة أغنى مئة رجل، أو اسمكِ على قائمة أغنى مئة امرأة في العالم، السعادة في ذلك، لا ريب، ولكن حمداً لله حين نصحو ولسنا على قائمة أفقر مئة، مئة من بين أكثر من 800 مليون جائع!

          

هذه القائمة التي دعستها حوافر الأثرياء، ولم تُنشر إلى الآن، فالأضواء مُتعبَة من تتبّع أهل الثراء، فالمجلّات والصُحف والأعين تلهث وراءهم، فتضع عناوين عريضة لقوائم بأسمائهم، وترصد حركة ثرواتهم المتسارعة، لتتوّج كلّ حين ملكاً جديداً لهم، تلك القوائم التي كان أمير الفقراء عُرْوَة بن الورد يتمنّى أن يكون فيها، لخبرته بليل الجائعين، حين خاطب زوجته:

دعِيني للغنى أسعى، فإنّي رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقيرُ
وأبعدُهم وأهـونُهم عليهم وإنْ أمسى له حسبٌ وخيرُ
ويُقصِيهِ النـــدِيُّ، وتَزْدرِيهِ حليـلتـه وينهـره الصغيــرُ
قليــــلٌ ذنبُهُ، والذنبُ جمٌّ ولـكن للـغِــنى ربٌّ غـفــورُ

عُرْوَة الذي كان يغير على أموال البخلاء من الأثرياء ليطعم الفقراء. لا نقول ذلك لكوننا ندعو لسلب أموالهم، أو لأنّنا لا نريد الثراء أو تَصْدُّرَ إحدى القوائم يوماً ما، الجميع يسعى للغنى، ولكن نجادل ونجلد أنفسنا، ما الضير في وضع قائمة للفقراء قُبالة هؤلاء؟ قائمة بأسماء أفقر مئة في العالم، فرصد مئة فقير ووضعهم في قائمة أسهل من رصد أموال هؤلاء التي تربو كلّ دقيقة، أمّا الفقراء فلا حاجة لجمع أرقام ثرواتهم فهي صفر أو دونه، ونجدهم من دون مجهر، فهم يبدون بوضوح على أرصفة المدن والقرى، وتحت الخيام، تطاردهم أعين المارّة، ويحاصرهم لُؤْم ملوك التسوّل على بساط لجوئهم، فهم كُثُر وتسمع حسيسهم حول سِلال قمامة المبذّرين واللئام.

                 

عدد الفقراء يزداد طرداً مع تكاثر الأثرياء، فهناك جائع من بين كلّ عشرة أشخاص في هذا العالم، فالفقراء ضاعوا بين سطوة الأغنياء على الثروات والأضواء
       

فالقيم الإنسانيّة تكاد أن تنحدر إلى ما دون الدرك الأسفل من العار، ولكي نحافظ على ما بقي من قيم نبيلة، نستدرك ذلك، بتسليط الضوء على البائسين ملتحفي الأرصفة، الذين تنهش أمعاؤهم بعضها، وليكن لهم نصيب في تلك الصفحات المنشورة، فإنّ انشغالنا بقوائم الأغنى والأجمل يُعزّز انقلاب القيم، ويزيح من أذهاننا النبيلة منها، فلم يعد لإطعام جائع عضّه الجوع قيمة لدينا، بينما إسكات بطن جائع بلُقَيْمات خير من ألف قائمة لمن يكنزون أموالهم ويتباهون بها على مرأى من مُستفّي التراب، فتلك القوائم تشجّعهم على حبس ثرواتهم وعدم انفقاها، ليحافظوا على مواقعهم أو يرقوا للأعلى، بينما وَضْع قائمة لأفقر الناس قد يُرشد مُعطٍ ومنفقا إلى بطونهم، ونَشْر قائمة للكرماء قد يحثّ غيرهم على البذل والعطاء.

         

فعدد الفقراء يزداد طرداً مع تكاثر الأثرياء، فهناك جائع من بين كلّ عشرة أشخاص في هذا العالم، فعسى أن نصحو يوماً ما على قائمة بأسماء أفقر أو أكرم مئة شخص، لتستعيد القيم شيئا من كرامتها، فالفقراء ضاعوا بين سطوة الأغنياء على الثروات والأضواء، والكرماء استظلّوا بمروءتهم عن الأعين والعدسات، بينما يتبجّح أهل الترف ويتباهون بكنوزهم التي سلمت من يد عُرْوَة الصعاليك، الذي لو كان حيًّا لقاموا بمقاضاة من يعرض أسماءهم في قوائم الأثرياء، لأنّها ستجعلهم عُرْضة لغزواته.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

إن أكثر أسباب المجاعات شيوعا الحروب التي تنشب هنا وهناك وتؤثر على توزيع المحاصيل والمواد الغذائية، جراء اللجوء لأساليب الحصار والإغلاق وتدمير طرق النقل والشاحنات. ومما يفاقم المجاعات سوء إدارة الحكم، وانعدام الأمن، والافتقار إلى البنى التحتية الضرورية، والتعليم الجيد.

عانى الصومال لنحو قرن كامل من مجاعات قاسية قتلت وشردت ملايين الأشخاص، أبرزها مجاعة "جفاف المعكرونة" عام 1964. وما يفاقم الأوضاع تزايد حالة الجفاف والتصحر، وانتشار الفوضى الأمنية.

الأكثر قراءة