النفايات الفكرية أخطر من نفايات الشوارع

blogs - فيسبوك
بات العالم اليوم في عصر العولمة قريةً صغيرةً مترابطة؛ إلا أن هذا الترابط لا يحمل بالضرورة معنى إيجابي. في الوقت الذي أصبح بإمكان الأفراد في أي وقتٍ ومنطقةٍ الاطلاع على كل ما يجري من أحداثٍ حول العالم في ظرف ثوانٍ، إلا أن انفتاح العالم على بعضها البعض، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، جعلنا عرضةً أكثر للنفايات الفكرية. وإن كنت تتساءل من هم أصحاب النفايات الفكرية؟ هم هؤلاء الأشخاص الذين لا يفقهون من الأخلاق والثقافة شيئاً، لكنهم للأسف يملكون ألسنةً وحساباتٍ على منصات التواصل الاجتماعي، يقذفون من خلالها سمومهم هنا وهناك ويتسارعون الى مهاجمة الجميع. 

يقول بوب منكوف في أحد أشهر رسوماته لصحيفة ذي نيو يوركر الأميركية: "على الإنترنت، لا أحد يعرف أنك كلب". هذا الكلام لا يوجه بالطبع للجميع، حيث يوجد على الإنترنت الكثير من المثقفين، الأدباء، العلماء والأفراد الذين يطلعون على الأحداث جيداً قبل كتابة أية كلمة. هذه العبارة موجهة للناس، علماً أن مصطلح إنسان كثيرٌ عليهم، يستغلون أبسط المواقف لرشق الآخرين بأبشع العبارات؛ كما أنهم غالباً ما يكونون جاهلين بهذه المواقف. هم لا يبحثون في خبايا الحدث بل يسارعون إلى إفلات عقدهم النفسية في تغريداتهم.

من ينشرون النفايات الفكرية يلوثون سمعنا، أفكارنا، منصاتنا ومجتمعنا بسمومهم. هذه النفايات الفكرية هي أشد خطراً على المجتمع من النفايات الموجودة في الشوارع.

وهذه المراشقات لا تنحصر في نطاقٍ واحد. أبسط مثالٍ على ذلك هي المواضيع التي تنشرها الصحف الإلكترونية كافة؛ كمقال قتل رجلٍ لزوجته. أصحاب النفايات الفكرية سيتهافتون على هذه المواضيع. ذاك يبدأ بشتم النساء بقوله إن الرجل يحق له قتل زوجته، وتلك ستجزم أن كل رجال العالم لا يملكون الوفاء لنسائهم.. هم لا يكترثون لحساسية الموقف ولا ينشرون الوعي حول هذه القضية، بل يسارعون لنشر الكراهية تحت هذه المقالات. هم بكل بساطة بإمكانهم تحويل أي مقالٍ إلى ساحة معركة.

وهؤلاء الأشخاص موجودون حتى في حياتنا اليومية، في الجامعة والعمل، على الأزقة وفي الشوارع. هم أول الواصلين إلى الجلسات، وغالباً ما يجلسون في الوسط، لا يصغون إلى الأحاديث بل هم منمطين؛ لا يقبلون وجهات النظر المختلفة ومتشبثين بآرائهم. يحضِّرون طبخةً من أسوأ العبارات والأفكار البالية ثم يسكبونها في هذه الجلسات دون الحاجة، باعتقادهم، إلى الاستماع لمجريات الحديث. وأخيرا ينهون كلامهم بالتهكم على الآخرين الذين يختلفون عنهم في وجهات النظر.

للأسف لا يمكن الحد من هؤلاء البشر، هم موجودون في كل مكان، وقد ازداد عددهم مع الانتشار الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي، حتى باتوا ينشؤون حساباتٍ وهمية تحت اسم "كارهي الممثل/الفنان/السياسي الفلاني". تبقى مواجهتهم محصورة بالضغط على زر الحظر حتى ترتاح من مضايقتهم، على أمل أن نجد وسيلةً أخرى للتخلص من نفاياتهم الى الأبد. فهم يلوثون سمعنا، أفكارنا، منصاتنا ومجتمعنا بسمومهم. وصحيحٌ ما يقال إن النفايات الفكرية هي أشد خطراً على المجتمع من النفايات الموجودة في الشوارع.