شعار قسم مدونات

مارسيلينو.. في صحة اللون الرمادي

blogs مارسيلينو

مجرد لاعب عادي، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، مثله مثل غيره في إسبانيا، قبل ثورة 92 الكروية، تلك الحالة التي قدمت جيلاً جديداً للكرة هناك، بعد تألق جيل التلامذة الجديد في أولمبياد برشلونة، بقيادة لويس إنريكي وبيب غوارديولا وميكيل لاسا وكيكو وألفونسو بيريز وأبيلاردو وبقية الشلة. يعترف هؤلاء بأنهم حصلوا على شهرة إضافيةـ نتيجة دورهم كلاعبين كبار رفقة فرقهم ومنتخبهم.

 

يهمس الخبثاء بين الحين والآخر بأن لولا شهرة بيب ولوتشو مع البارسا في حقبة التسعينات، لكانت فكرة توليهما قيادة النادي الكاتلوني فيما بعد مستحيلة، ويبدو هذا الرأي غير مستبعد، لأن الفرق الكبيرة تفضل دائماً الرهان على أحد رموزها، من يفهم البيت الداخلي بشكل جيد، ويملك الكاريزما التي تساعده في فرض شخصيته داخل غرفة الملابس.

 

وإذا كنت لا تتمتع بالتاريخ الكبير كغيرك، عليك حفر الصخر والبدأ من تحت الصفر، حتى تحصل على مكان مميز بجوار الخط الجانبي، حيث يقف كل مدرب مطالباً لاعبيه بالتحرك والتمركز والركض وفق رؤيته الخاصة. ومارسيلينو جارسيا تورال واحد من هؤلاء الذين صعدوا السلم من أسفل درجة، لأنه لم يترك أي بصمة كلاعب محترف في سنوات الثمانينات، فقط كل ما يذكره الجمهور له أنه شارك في فوز خيخون على ميلان بكأس الاتحاد الأوروبي موسم 87-88، لكن كمدرب ربما يختلف الأمر بعض الشيء، بل كثيراً، عطفا على ما قدمه بالسنوات الأخيرة مع فياريال، والآن في فالنسيا.

 

فلسفة تورال هي التنظيم، التنظيم الشديد بالكرة ومن دونها، حتى يستطيع خلق التفوق النوعي خلف دفاعات خصومه
فلسفة تورال هي التنظيم، التنظيم الشديد بالكرة ومن دونها، حتى يستطيع خلق التفوق النوعي خلف دفاعات خصومه
 

(1)

من هو المدرب الأقرب لك؟ أريغو ساكي، رافا بينيتيز، وبيب غوارديولا. وقبل أن يعاجله المحاور بسؤال متوقع حول أسباب هذه الإجابة رغم اختلاف الثلاثي التدريبي، جاوب مارسيلينو سريعاً بأنهم يشتركون جميعاً في هاجس التدقيق، والاهتمام الشديد بالتفاصيل الصغيرة، وهذا ما يطمح له هو الآخر، ويقتنع بأهميته في صناعة فريق تنافسي دفاعاً وهجوماً.

 

فلسفة تورال هي التنظيم، التنظيم الشديد بالكرة ومن دونها، حتى يستطيع خلق التفوق النوعي خلف دفاعات خصومه. ويرى المدير الفني بأن التحركات المستمرة هي الأساس لنقل الهجمة من الدفاع إلى الهجوم في غمضة عين، والجماعية بمثابة السلاح الرسمي لأي فريق يقوم بتدريبه. وفي عام 2016، وضعته صحيفة "فور فور تو" ضمن أفضل 20 مدرب في العالم، ليحل في المركز رقم 16، رغم أنه كان بمقدوره الحصول على مركز أكثر تقدماً، في حالة تدريبه بإنكلترا على سبيل المثال، نظراً لقوة الدعاية الإعلامية والتسويق الرقمي في البريمرليغ.

 

مارسيلينو هو أستاذ اللعب من لمسة واحدة، فنادي فياريال عرف عبر تاريخه القصير بأنه فريق هجومي بامتياز، يعتمد على تناقل الكرة من قدم لقدم، وتدوير اللعب من جانب إلى آخر، مع خلق المثلثات القصيرة في وبين الخطوط، هكذا كان الحال مع مانويل بليغريني ثم خوان كارلوس جاريدو، لدرجة أن البعض قارنهم ببرشلونة، من حيث متعة اللعب وجمالية الأداء. لم يختلف الأمر مع مارسيلينو بالنسبة للشخصية والإطار العام، لكن الفريق صار أقوى بالشق الدفاعي، وأصبح يعتمد أكثر على التحولات السريعة، والوصول إلى المرمى بأقل عدد ممكن من اللعبات، في اتجاه عمودي صريح نحو الأمام، فيما يعرف خططياً بأسلوب اللعب المباشر.

 

(2)

فياريال مع تورال وحالياً فالنسيا وقبلهم هويلفا وخيخون، نماذج بعيدة عن اللعب الهجومي الصريح، والاعتماد على الاستحواذ والتيكي تاكا على الطريقة الإسبانية، لكنهم فرق متوازنة إلى حد كبير، لا تسجل أهداف أكثر من غيرها، لكنها تمتاز بصلابة دفاعية مطلوبة، وتعرف كيف تفوز على الخصم الأقل قوة، وتجيد التعامل مع ضغط الكبار، لذلك تحقق بعض المفاجآت وتفرض شخصيتها على الجميع محلياً وقارياً، وهذا يحسب للقائد التكتيكي بكل تأكيد.

 

إن الشولو الأرجنتيني يفشل دائما في هزيمة فياريال، لأنه يطبع طريقته المتحفظة في تقليل المساحات، لكن مع سرعة في التحولات، وقدرة على نقل الكرات في أضيق الأماكن وخلف خطوط الضغط
إن الشولو الأرجنتيني يفشل دائما في هزيمة فياريال، لأنه يطبع طريقته المتحفظة في تقليل المساحات، لكن مع سرعة في التحولات، وقدرة على نقل الكرات في أضيق الأماكن وخلف خطوط الضغط
 

حصل مارسيلينو على المصل مبكراً، نجح من قبل مع ريكرياتيفو وحجز لهم مكان آمن بالليغا، وصعد براسينغ إلى المقاعد المؤهلة أوروبياً. فشل فقط مع إشبيلية، قبل أن يستفيد من متعة فياريال، ويحول الطريقة اللاتينية للفريق إلى نسخة متوازنة، فالغواصات صنعوا 4-4-2 على الطريقة البرازيلية "سامبا"، لكن عانوا من بعض المشاكل في الارتداد على مستوى الدفاع، وزادت هذه العيوب حتى الهبوط إلى الدرجة الثانية.

 

 في المقابل، فياريال مارسيلينو حافظ على نسق للفريق، لكن مع قوة أكبر في الشق الدفاعي، لذلك تحولت 4-4-2 إلى 4-4-1-1 ثم إلى 4-6-0 من دون الكرة، لتكون مصدر قلق مستمر للفرق الهجومية، خصوصاً حينما يعود فياريال للخلف، ولا يهاجم، ويعتمد فقط على التحولات كما يفعل دائماً أمام برشلونة وريال مدريد، ويخنق فرق سيميوني في الداخل والخارج، لدرجة أن الشولو الأرجنتيني يفشل دائما في هزيمته، لأنه يطبع طريقته المتحفظة في تقليل المساحات، لكن مع سرعة في التحولات، وقدرة على نقل الكرات في أضيق الأماكن وخلف خطوط الضغط.

 

(3)

في آخر مواسم مارسيلينو بملعب المدريجال، سجل فياريال 44 هدف "سبقه 13 نادي سجل أهداف أكثر"، واستقبلت شباكه 35 فقط، بواقع أقل من هدف في المباراة الواحدة كرابع أقوى دفاع بالبطولة الإسبانية، مع نسبة استحواذ وصلت إلى 47.5 %، وعدد تسديدات قليلة لدرجة أنه أقل فريق سدد على المرمى من بين فرق الليغا، لكن في النهاية حصل على المركز الرابع المؤهل إلى تصفيات الشامبيونزليغ.

 

مارسيلينو يسير في منطقة بمفرده، ويعرف ما يريد تحقيقه جيداً. أبعد ما يكون عن غوارديولا وكيكي سيتيين، ولا يملك شخصية زيدان وسيميوني، ولم يحصل على الفرصة/الواسطة التي تساعده على الانطلاق مبكراً

يجب أن يضم أي فريق يدربه على ثنائي سريع من الأظهرة، مع أجنحة قادرة على التحول من الطرف إلى العمق، وصناعة اللعب عند الاستحواذ لرمي الكرات البينية خلف المدافعين، بالإضافة لثنائي هجومي متحرك غير ثابت، يعود خطوات للخلف حتى يفتح الطريق أمام لاعبي الوسط، ويقوم بدور لاعبي الارتكاز في بعض الأحيان إذا لزم الأمر. يستلم المهاجم الكرة بظهره، يمررها إلى لاعب الوسط بالخلف، ولا يقف دوره عند هذا الحد، بل يتحرك مباشرة للطرف حتى ينتظر اللعبة، ويخلق الزيادة العددية رفقة الظهير والجناح أسفل الأطراف، أو ينطلق مباشرة نحو المرمى في انتظار التمريرة السريعة، هكذا تُصنع الفرص من دون الهجمة المرتدة، بالتمرير القصير الذي يعقبه تحرك مفاجئ وتمريرة خاطفة.

 

مع فالنسيا هذا الموسم، لا يزال الوقت مبكراً للحديث، لكن الخفاش لم يخسر بعد في الليغا، فاز في 3 وتعادل في مثلهم، ليحتل المركز الرابع في جدول الترتيب بدون أي هزيمة. ورغم أن مارسيلينو يحتاج إلى وقت أطول لوضع بصمته، إلا أن فريق الميستايا بات يلعب وفق شخصية مدربه، بالدفاع المنظم والتحولات السريعة واستخدام الكرة في خلخلة دفاعات الخصوم، وفتح الملعب عرضياً بمزيج بين الأظهرة المباشرة والأجنحة المائلة إلى العمق، مع تواجد ثنائي محوري يجيد التحكم في نسق المباريات، رفقة هجوم يسجل ويصنع ويعود للخلف مع قدرة على الهروب تجاه الأروقة، وكأن فالنسيا يسير بخطى ثابتة نحو تكرار سيناريو فياريال الناجح.

 

"من الصعب وصف هذا المدرب بالهجومي ولا الدفاعي، كذلك يستحيل القول بأنه يشبه مورينيو أو غوارديولا أو سيميوني، هو رجل "وسطي" في كل شيء، لديه أفكار صريحة وواضحة، ويعرف كيف يصنع فريقاً تنافسياً، بتحويل الشق الفردي إلى آخر جماعي. وعلى رأي الشاعر نجيب سرور مع التغيير، هو لم يعش بطلاً ولكن عاش كالفرسان بحثاً عن بطولة، فمارسيلينو يسير في منطقة بمفرده، ويعرف ما يريد تحقيقه جيداً. أبعد ما يكون عن غوارديولا وكيكي سيتيين، ولا يملك شخصية زيدان وسيميوني، ولم يحصل على الفرصة/الواسطة التي تساعده على الانطلاق مبكراً، إنه يمثل اللون الرمادي، لا أبيض ولا أسود ولا حتى قريب منهما".