شعار قسم مدونات

الهوية والطبيعة والمجال الحميمي

blogs الشذوذ الجنسي

المجال الحميمي ليس أساسًا للهوية

تقسّم حنّا آغنت مجالات نشاط الإنسان إلى ثلاثة: المجال العام والمجال الخاص والمجال الحميمي. وترى أنّ التجربة التي وجدت فيها هذه المجالات الثلاثة متمايزة ومنفصلة هي التجربة اليونانية. ففيها، كان كل نشاط للإنسان محدّد في مجال: فالمجال الخاصّ هو مكان الأنشطة الضرورية الشرطية لبقاء الإنسان على قيد الحياة، مثل تأمين المأكل والرعاية؛ والمجال الحميمي هو مجال حماية الحب وممارسته وهو أخصّ من المجال الخاصّ؛ أمّا المجال العام فهو المجال السياسي الذي يمكن فيه بالفعل التحقق بالحرية، بعد أن جعل المجال الخاص ذلك ممكنًا بتأمينه الضرورات.

 

وترى آغنت أنّ التجربة الحداثية قد ألغت المجال العام لصالح صعود المجال "الاجتماعي" وبالتالي لم يعد هناك مجال من الممكن أن يمارس فيه الإنسان حريته الحقيقية. إذ مع الحداثة، أصبحت الدولة هي من يُناط بها تأمين ضرورات الحياة، وبالتالي أخذت دور المجال الخاص الذي كان مناطًا به هذا الدور من قبل. وبشكلٍ ما، ترى آغنت أن المجتمع ككل أصبح كالبيت الكبير الذي يجب تدبيره على مستوى الدولة، وبالتالي فقد المجال الخاص استقلاليته في تأمين ضرورات الحياة. كما فقد المجال العام إمكانَ الحرية. (للمزيد عن النظرية السياسية لآغنت، راجع كتابها "الشرط الإنساني)

 

في الإسلام، لا نسأل عن الطبيعة فضلاً عن انحرافها أو شذوذها، بل نسأل عن
في الإسلام، لا نسأل عن الطبيعة فضلاً عن انحرافها أو شذوذها، بل نسأل عن "الحقيقة" وعن "الحق" وعن "الحسَن" في الأفعال والأقوال. ندرك إذًا أنّ جميع الموجودات هي اختيارات وإمكانات للإنسان
 

ما يهمنا في هذا التقسيم الثلاثي هو أنّ أيَّ ممارسات في المجالين الخاص والحميمي لا تصلح أن تكون وسيلة لأن يعرِّف بها الإنسان نفسه.

 

قديمًا كان الإنسان يعرّف نفسه بالنسبة لقبيلته، أو موطنه، أو مكان إقامته، أو غيرها من صلات. وفي العلم والفلسفة على سبيل المثال، كانت الاختلافات العلمية والدينية والفلسفية أساًسًا للتعريف في المجال العام، مثل أن يقال: "الفيثاغوريون" مثلاً  أو "المعتزلة" وهكذا. في واقعنا المعاصر، أضحت "المهن" هي أساس تعريف الإنسان تقريبًا ففلان مثلاً طبيب أو مدرّس أو صحفي وهكذا.

 

لم يكن أيٌّ من الممارسات في المجالين الخاص والحميمي أساسًا لتعريف مجموعة من الناس. ويجب أن يظلّ أساس تعريف الشخص في المجال العام هو المعرّفات الظاهرة المُشَاهَدَة. 

 

ربما لم تكن حنّا آغنت لتتصور أنّ صيرورة الحداثة ستؤدّي إلى أن يُلغى الفارق والفاصل بين المجالين الحميمي والعام، ليصبح ما يمارسه الإنسان في المجال الحميمي أساسًا لتعريفه في المجال العام أو ما يسمّى الآن "هويته." إذ كيف يخرج الأمر "الخاص جدًا" الذي لا يصرّح بأن يُشاهَد مطلقًا (وإن في المجال الخاص) إلى شهود المجال العام؟

 

يمكننا أن نتساءل الآن: ما الهوية؟ لنقل أنّ الهوية هي ما يدرك الإنسان نفسه به، أو ما يدركه به الآخرون، أو ما يقرر أنه منظوره لإدراك العالم. فإذا قلنا مثلاً: الليبراليون فهم أتباع مذهب الليبرالية الذي يرون أنفسهم والعالم من خلال مقولات مذهب الحرية الفردية الأساسية، ويحددون مواقفهم وسلوكياتهم بناءً عليه.

 

دعونا نتصور الآن إذا ما حدّد الشخص "هويته" بناء على ممارساته في المجال الحميمي، فما صورة إدراكه لنفسه وللعالم وتحديده لسلوكه ولمواقفه، وكيف يكون إدراك العالم له؟ سؤال ربما سيجيبنا عليه صيرورة المجتمع الأمريكي.

 

جدل الطبيعة وانحرافها

لا يصح أن يخرج أي فعل من أفعال المجال الحميمي ليكون أساس للهوية في المجال العام، فضلاً عن أن يكون أساسًا لتكوين مجموعات ذات ظهور وذات نشاط سياسي مثل المطالبة بحقوق بناءً على تحديد هوية متعلقة بهذه الممارسة

في الحقيقة، فإنّ ميل الرجال للرجال، وميل النساء للنساء موجود قدمَ البشرية؛ إذ حدّثنا القرآن عن قوم لوط "إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ" (7: 81).

 

 الممارسة موجودة منذ القدم: في الأمم القديمة الغابرة مثل قوم لوط، ووجدت عند اليونان والعرب، وجميع الأمم، تمامًا مثلما وجدت ظواهر قديمة قدم الإنسان مثل القتل، القتال، الحرب، السرقة…. وغير ذلك، وستظل موجودة ما دام الإنسان موجودًا؛ لأنها مناط الاختبار الحقيقي لكل فعل يختاره الإنسان سواء في المجال الحميمي أو الخاص أو العام.  في كلٍّ منهم، لدى الإنسان حرية الاختيار بين الجميل والقبيح، بين الصحيح والخطأ، بين الحق والباطل.

 

السؤال عن "طبيعة" الشيء، وبالتالي السؤال عن ما الانحراف عن الطبيعي سؤال متأثر بالمنظور المسيحي؛ إذ في المسيحية، يمكن التساؤل بشأن "الطبيعة" وهو تساؤل نشأ من اللاهوت الذي انشغل بالسؤال عن طبيعة المسيح.

 

في الإسلام، لا نسأل عن الطبيعة فضلاً عن انحرافها أو شذوذها، بل نسأل عن "الحقيقة" وعن "الحق" وعن "الحسَن" في الأفعال والأقوال. ندرك إذًا أنّ جميع الموجودات هي اختيارات وإمكانات للإنسان.

 

في المجتمعات المسيحية أو ذات التاريخ المسيحي، سُمّي ميل الرجل للرجل، والمرأة للمرأة "شذوذًا" لأنّ هذا الوصف كان إجابة السؤال: هل هذه الممارسة طبيعية؟ أم هي انحراف عن الطبيعة؟ وبما أنّها انحراف فهي شذوذ. ثمّ ألحق "الشذوذ" بالأمراض، لأن الأمراض انحراف عن الطبيعة من وجهة هذا المنظور.

 

ثمّ كانت محاولة المجتمع الأمريكي إخراج هذه الممارسة من إطار الأمراض ونزع صفة الانحراف والشذوذ عنها، وتسميتها باسم "محايد" مأخوه من اللغة اللاتينية، وهو اللفظ "هومو" ليصبح ميل الرجل لمثيله الرجل، والمرأة لمثيلتها المرأة يسمّى "المثلية." ثمّ تطرّف الأمريكيون ليجعلو ا ممارسة خاصة جدًّا أساسا للهوية في المجال السياسي.

 

يوجد صفة واحدة للظهور في المجال العام وهو صفة المواطنة. فالمطالبة بالحقوق تأتي بناء على هذه الاعتبارية وفقط

في الإسلام، لا يعنينا في الحقيقة هذا الجدل، وما نتج عنه من أسماء ومصطلحات: شذوذ، مثلية. لأننا لا نسأل سؤال الطبيعة من الأساس. في الأفعال، فإنّ السؤال الإسلامي هو السؤال المتعلّق بالحسن والقبح. كما لا يعنينا ما نتج عن هذا الجدل من تصورات: مرض/ ليس بمرض/ هوية، وما نشأ عنه كذلك من اضطهاد للمتلبسين بهذه الحال.

 

السؤال الإسلامي هو السؤال عن "الحُسن والقُبح" وكلاهما متاح للإنسان، فللإنسان أن يختار القبيح وبإمكانه أن يختار الحَسَن. هذا الفعل إذًا ليس بطبيعي وليس بشذوذ وليس بمرض، هو فعل قبيح مثل سائر الأفعال القبيحة، وبالتالي فهو إمكان وقابلية لدى أي إنسان، وهو مجال ليختبر فيه حريته ومقدرته على اختيار فعل الحسَن واختيار عدم إتيان القبيح، والذي يحتاج بالضرورة لجهاد ومجالدة نفس إذا ابتلي الإنسان بميل مثل هذا.

 

وبالتأكيد، فلا يصح أن يخرج أي فعل من أفعال المجال الحميمي ليكون أساس للهوية في المجال العام، فضلاً عن أن يكون أساسًا لتكوين مجموعات ذات ظهور وذات نشاط سياسي مثل المطالبة بحقوق بناءً على تحديد هوية متعلقة بهذه الممارسة. يوجد صفة واحدة للظهور في المجال العام وهو صفة المواطنة. المطالبة بالحقوق تأتي بناء على هذه الاعتبارية وفقط.