شعار قسم مدونات

المصير الليبي.. أليس من حقنا أن نتساءل؟

مدونات - السراج

الموقف الغامض الذي يتبناه المجلس الرئاسي ورئيسه فائز السراج، تجاه بعض مكونات وتجمعات وشرائح عديدة من الليبيين (مدنيين وعسكريين) من المنحازين بالكامل لثورة السابع عشر من فبراير والداعين إلى تأسيس دولة مدنية -هذا الموقف – يدعو إلى الحيرة والتساؤل والاستغراب. خاصة وأن هذا الموقف السلبي يقابله موقف إيجابي تجاه أعداء ثورة السابع عشر من فبراير، ودعاة عسكرة الدولة، وفئات وشرائح وأجسام أخرى لا يهمها أن تُجهض ثورات الربيع العربي.

السيد فائز السراج يتعامل بكل إيجابية مع ما يسمى بـ "الجيش العربي الليبي"، بينما شريحة كبيرة من الليبيين يشيرون إلى هذا الجيش بـ "مليشيات الكرامة" و"الجيش البوذي"، إشارة إلى الممارسات السادية التي قامت بها تلك المليشيات خارج نطاق القانون، كنبش القبور وحرق الجثث وشنق الموتى والقتل العلني للمدنيين في الشوارع، والتجول بجثث الموتى، والتعامل مع المدنيين العالقين في مناطق القتال كمقاتلين، مُنع من بلغ منهم الرابعة عشر وما فوق، الخروج أحياء من المناطق المحاصرة.

كل ذلك بجانب استباحة سيادة الوطن، ومباركة قصف مدن وقرى ومناطق ليبية على أيدي قوى أجنبية (مصر والإمارات وفرنسا)، والتهجير والاعتقال على الخلفية الفكرية والثقافية والقبلية والجهوية والعرقية، ورمي جثث المدنيين والعسكريين "الذين يُعتقلون ويعذبون ثم يقتلون" في مكبات القمامة في شوارع بنغازي، مع تدمير وحرق البيوت وترويع وقتل الأطفال والنساء والعلماء والكهول والشيوخ والفقهاء. ناهيك عن الدمار الذي طال المصانع، والمدارس والمعاهد والجامعات، وطال معالم مدينة بنغازي، بالإضافة إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وإثارة وإحياء وإشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد.

وتوج كل ذلك بتأمين منافذ لقوات تنظيم الدولة في مدينتي درنة وبنغازي، بينما يفترض أن عملية الكرامة تأسست لمحاربة التنظيمات الإرهابية. فعلت مليشيات الكرامة ذلك، بينما رفضت تأمين منافذ للأطفال والنساء والعجزة، الذين حوصروا في منطقة "قنفودة" حتى الموت. بل وتحاصر نفس المليشيات أهالي مدينة درنة اليوم، لتكرر مذابح قنفودة.

عندما تحركت سرايا الدفاع تجاه مدينة بنغازي لفك الحصار عن ضحايا منطقة
عندما تحركت سرايا الدفاع تجاه مدينة بنغازي لفك الحصار عن ضحايا منطقة "قنفودة"، سارع فائز السراج بإصدار بيان يقول فيه إن سرايا الدفاع عن بنغازي تعتبر "خارج الشرعية"!

السيد فائز السراج يتغزل في أصحاب هذه الممارسات، ويتلطف معهم ويتقرب إليهم، ويطلب ودهم، ويهنئهم بانتصاراتهم، أو بالأحرى مذابحهم، ضد المدنيين، بل جرائمهم التي ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، كما يلهث من دولة إلى أخرى للقاء قادة الكرامة (لقاء في الإمارات، ومصر، وفرنسا، ومدينة المرج بليبيا وبحضور رئيس المخابرات المصرية).

لكن السيد السراج لا يتعامل ولا يتعاون ولا يتفاعل مع دار الافتاء وانصارها، والحرس الوطني، وجزء كبير جدا من قوات البنيان المرصوص، وسرايا الدفاع عن بنغازي، ومجلس شورى ثوار بنغازي، وكتائب عديدة للثوار في مختلف المدن الليبية، ومئات الضباط والعسكريين بصفة عامة، في المنطقة الغربية والجنوبية، يدعمهم ضباط من المنطقة الشرقية، ومجلس شورى ثوار درنة، وشريحة كبيرة من الليبيين المدنيين من أنصار ثورة 17 فبراير، تضم جميع فئات الشعب الليبي من النخب والأكاديميين والإعلاميين والسياسيين والتكنوقراط والموظفين والمعلمين والعلماء الذين يؤيدون تأسيس دولة مدنية على أنقاض الدولة العسكرية.

وعندما تحركت سرايا الدفاع -على سبيل المثال- تجاه مدينة بنغازي لفك الحصار عن ضحايا منطقة "قنفودة"، سارع فائز السراج الذي كان يلزم الصمت أمام جرائم الكرامة، بإصدار بيان يقول فيه إن سرايا الدفاع عن بنغازي تعتبر "خارج الشرعية"، بدلا من أن يبارك محاولات رفع الحصار عن النساء والعجزة والأطفال. كما وزع – في نفس الوقت – تهانيه هو ومارتن كوبلر (ممثل البعثة الأممية) لما يفترض أنه الجيش الليبي.

أليس من حقنا أن نقول إنه متواطئ مع مصر والسعودية والإمارات في مخطط ما، وإنه يريد أن يرضي الجميع إلا الثوار الوطنيين، وأنه يتقرب زلفى إلى مكونات الدولة العميقة؟!
أليس من حقنا أن نقول إنه متواطئ مع مصر والسعودية والإمارات في مخطط ما، وإنه يريد أن يرضي الجميع إلا الثوار الوطنيين، وأنه يتقرب زلفى إلى مكونات الدولة العميقة؟!

فعل كل ذلك بالرغم من أن ممارسات ونشاطات وفعاليات الأجسام التي ينبذها أو يخاصمها أو يعاديها المجلس الرئاسي، كانت ممارسات راقية، تجسدت في المعاملة الإنسانية لخصومهم حتى في ميادين القتال، عبر حفاظهم على أرواح وأموال وممتلكات وإنسانية وكرامة وحقوق أعدائهم. بعكس الممارسات البشعة التي يقوم بها أنصار الكرامة.

ويزداد استغرابنا إذا علمنا أن المجتمع الدولي ومجلس الأمن لم يصنفا المكونات والشرائح التي يعاديها السراج، كمكونات وشرائح وتنظيمات إرهابية، ما يفترض أن الطريق مفتوح أمام المجلس الرئاسي للتعامل والتعاون والتنسيق معها حتى مِن باب فنِّ الممكن على الأقل.

كما تواتر أن السيد فائز السراج، عندما كان عضوا في البرلمان، أي قبل أن يصبح رئيسا للمجلس الرئاسي، أنه صَوَّت مع تصنيف قوات "فجر ليبيا" كمليشيات إرهابية. ورفض، إلى يومنا هذا، تسمية مناصب ومهام في القطاع العسكري (رئاسة الأركان)، وأنسحب من الملتقى السادس لضباط الجيش الذي ضَمَّ مئاتٍ من ضباط القوات المسلحة الليبية، عندما صُنف خليفة حفتر في ذلك المؤتمر بأنه "مجرم حرب"، بل وأضاف قائلا "إن المؤتمر لا يمثلني". وتَكرر نفس التوجه في مؤتمر ضباط الجيش الليبي بمدينة "زوارة"، والذي أعتبر أن القوات التابعة لحفتر، هي مجرد مجموعة مسلحة خارجة عن القانون.

كما هدد بالضرب بيد من حديد وبتأديب ومحاكمة وفد قوات البنيان المرصوص (الذين هزموا تنظيم الدولة في سرت)، هددهم على خلفية زيارتهم لقطر، واجراء مباحثات حول شؤون ليبية، كما يفعل حفتر وأعوانه، وكما يفعل الكثيرون، لكن دون أن يهددهم السراج.

من حقنا أن نتساءل: هل هناك من بنود سرية في اتفاق الصخيرات، لم تعلَن حتى لمن وقع على المُسوَّدة؟
من حقنا أن نتساءل: هل هناك من بنود سرية في اتفاق الصخيرات، لم تعلَن حتى لمن وقع على المُسوَّدة؟

السيد فائز السراج -إذا- يهمش وطنيين يهدفون لبناء دولة مدنية، يقدم التعازي في ضحايا دون ضحايا، يستنكر ممارسات، ولا يستنكر ممارسات مثلها، يستنكر أحداثا ولا يستنكر أحداثا مثلها، يلهث خلف مجرمي حرب، لا يعترفون بالاتفاق السياسي، يتعامل بلطف وأريحية وصراحة وتعاون مع دول بعضها عضو في مجلس الأمن (فرنسا وروسيا) تدَّعي أنها مع الحل السلمي السياسي، وتدعي أنها تعترف بمُخرجات الصخيرات، بينما هي أول من يخرق الاتفاق، بل وتُزوِّد أطرافا ليبية بالسلاح والذخيرة والعتاد.

أليس من حقنا بعد هذا الوزن الثقيل من الحوادث والأحداث والمفارقات، أن نتساءل، أن نستغرب، أن نستهجن، أن نستنكر، أن نشك، أن نتهم، وأن نُخون؟ أليس من حقنا أن نقول إن فائز السراج، يخالف اتفاق الصخيرات، وأنه عدو للثورة التي ضحى من أجلها آلاف الشباب، وسُفكت فيها دماء فلذاتِ أكبادنا، وأنه عدو لكل ما يمت للإسلامين وللإسلام السياسي وللشريحة الوطنية بصلة؟ أليس من حقنا أن نقول إنه متواطئ مع مصر والسعودية والإمارات في مخطط ما، وإنه يريد أن يرضي الجميع إلا الثوار الوطنيين، وأنه يتقرب زلفى إلى مكونات الدولة العميقة، ويتقرب لكل من هو ضد ثورة 17 فبراير؟

ثم أليس من حقنا أن نشك بأن هناك اتفاقيات ما، للوصول إلى حل مبتور، يرضي مصر والإمارات والسعودية ويرضي المجلس الرئاسي على حساب الوطن والثورة والثوار والوطنيين الليبيين والأرامل واليتامى وأمهات وآباء الشهداء؟ بل من حقنا أن نتساءل: هل هناك من بنود سرية في اتفاق الصخيرات، لم تعلَن حتى لمن وقع على المُسوَّدة؟ وهل ما يفعله السراج هو دفع مسبق مقابل اختياره وترشيحه وتوليه لمنصب رئاسة المجلس؟ وهل السراج مكبل بخطوط حمراء وأنه عبد مأمور؟ كل تلك التساؤلات واقعية ومنطقية وموضوعية، بل إن الأمر قد تجاوز مجرد الحيرة والتساؤل والشك. الإجابة على تلك التساؤلات قد تكشف عن مشهد سياسي "قذر بشع نتن"، يقف وراء ما تمر به ليبيا من أزمات عميقة.