شعار قسم مدونات

التصدق على من يُظنُّ به شراءُ بيرة

blogs شراب البيرة

تُثير الوقائع اليومية التي نمر بها إشكالات أخلاقيّة متنوعة؛ ذلك أن الأخلاق بمعناها العام تتناول الفعل الإنساني وتبحث عن تسويغه بالاستناد إلى معايير محددة: مُستندُها العقلُ الإنساني أو الوحيُ والنص أو الأعراف الاجتماعية السائدة في مجتمع ما في زمن ما (المعروف).

 

وفي فلسفة الأخلاق الإسلامية التي أدرّسها لطلبة الماجستير في كلية الدراسات الإسلامية بقطر: منحى نسميه "التعليل الأخلاقي" إلى جانب قسمي الأخلاق النظرية والأخلاق العملية أو التطبيقية. في التعليل الأخلاقي نقوم بتمرين الطلبة على ممارسة التعليل ومناقشة المسوغات الأخلاقية التي تَحكم فعلاً أو تصرفًا محددًا، وفي التعليل من المفترض بالطالب أن يستثمر المعرفة النظرية التي اكتسبها من خلال الأخلاق النظرية في معالجة مشكلة حياتية تَعَرَّض لها أو عَرَفها، ولأنني كلفتُ طلابي بواجبات في هذا الخصوص، فقد أردت أن أقدم لهم وللقراء نموذجًا عمليًّا ليحذوا حذوه في التعليل الأخلاقي؛ لأنه الأليق بتطورات حياتنا أولاً، ولأن إشاعة هذا النوع من المعرفة ستُحرج المتطفلين على علم الفقه ممن يكتفون بالنقل المُبتَسَر عن الكتب.

 

إن التحريم سهلٌ وإنما العلمُ هو القدرة على تعليل الإباحة وتسويغها في المحالّ التي تشتبه أو تُشْكِل على الناظر أو تبدو مخالفةً للمألوف
إن التحريم سهلٌ وإنما العلمُ هو القدرة على تعليل الإباحة وتسويغها في المحالّ التي تشتبه أو تُشْكِل على الناظر أو تبدو مخالفةً للمألوف
 

نعني بالتعليل الأخلاقي هنا المحاكمةَ العقلية التي نستخدمها لاتخاذ قرارات لها آثار أخلاقية من قبيل: تَأَمل الخيارات المتاحة واختبارها، وتَبَني وجهة نظر معينة بعد المفاضلة بينها وبين غيرها من الاحتمالات، وحساب الفوائد والعواقب الفردية في الواقعة المحددة، ثم العواقب التي تتصل بمبدأ الفعل نفسه فيما لو تم تعميمه على الناس.

 

وبناء على هذا سأتناول في هذا المقال واقعة محددة لأقوم بتعليلها أخلاقيًّا. والواقعة هي أن شابة بريطانية تَسكن شوارع لندن، استوقفت أحد المارة لتطلب منه المساعدة بمبلغ زهيد من المال تجمعُه يُظنُّ أنها ستشتري به كأسًا من البيرة.

 

في هذه الواقعة ثمة احتمالان: الإعطاء أو المنع، ولكن سنمضي هنا مع خيار الإعطاء بوصفه فعلاً أخلاقيًّا؛ رغم ما قد يثيره من إشكال؛ لكونه يأتي في سياق شراء بيرة. فكيف نعلل الإعطاء أخلاقيًّا رغم أنه يأتي في سياق شراء ما هو محرّم دينيًّا؟ بل هل يكون الإعطاء في هذه الحالة قُربةً إلى الله لا مجرد تعاطف إنسانيّ؟

 

من يستشكل إعطاء الشابة في واقعتنا سيستشكله لأمرين: الأول: أن الدافع في هذه الحالة دفع ثمن البيرة، والثاني: أنه أعان على الإثم والمعصية؛ لأن إعانته للشابة ذريعة (وسيلة) لتمكينها من شراء وشرب المُسْكر.

 

ولحل الإشكال وبيان أخلاقية فعل الإعطاء في هذه الحالة – بل ونزيد أنه قُربةٌ إلى الله تعالى – لا بد من توضيح الأساس النظري الذي بُني عليه، وأن له نظائر في الفقه الإسلامي الذي يجهل كثيرٌ من المُشدِّدين فروعَه وسَعتَه، فيحملون الناس على ضيق نظرهم؛ فالتحريم سهلٌ وإنما العلمُ هو القدرة على تعليل الإباحة وتسويغها في المحالّ التي تشتبه أو تُشْكِل على الناظر أو تبدو مخالفةً للمألوف، ولذلك قال الإمام سفيان الثوري: "إنما العلم الرخصةُ من ثقة، فأما التشديد فيُحسنه كل أحد"، ولا ينبغي حمل الثقة هنا على المعنى الأخلاقي فقط، وإنما تحمل الثقة في علمه وفي دينه معًا؛ لأن الصالح غير العالم ليس محلاً للفتوى أصلاً ولا لتلقي العلم عنه.

 

ومدار أخلاقية إعطاء الشابة البريطانية في هذه الحالة على الأمور الآتية:

1.    تقييم الفعل المباشر دون نوايا السائل:

إن قاعدة:
إن قاعدة: "كل ما كان فيه إعانة على المعصية فهو حرام" قد لا تطبق في كل الحالات؛ نظرًا لاعتبارات أخرى مركبة تَعْرض للفقيه تدفعه إلى تغليب نظر دون آخر؛ بحسب المسألة وتقدير المفاسد والمصالح والعوارض

فأخلاقية فعل الإعطاء في هذه الواقعة مبنية على مبدأ النظر إلى (الفعل المباشر) وهو دفع المال؛ وليس إلى نوايا السائل؛ لأن المال وسيلةٌ يتعدد استعمالها، وتَدْخلها الاحتمالات المتعددة، والتعويل إنما يكون على قَصْد الدافع لا على قصد السائل. وهذا قياسُ مذهب فقهاء الحنفية؛ لأن الدافع دفع المال وليس البيرة، ودَفْع المال في هذه الحالة لا يَتَعين لشراء البيرة، وكلُّ ما لم يَتَعين للمحرّم جاز فعله؛ لاحتمال فعل المباح. وهذه قاعدتهم في المذهب حتى جوّزوا للمكلف حَمْل الخمر؛ لأن الحمل لا يتعين للشرب فيَصح عَقْد الإجارة على حَمْلها حينئذ، أي يجوز له أن ينقل الخمر من مكان لمكان بأجرة.

 

وهذه القاعدة لها فروعٌ في باقي المذاهب الفقهية سأوضحها في دراسة لاحقة لي، ولكنها تدور على مسألة (تحقيق المناط) في تقدير غلبة المفسدة من عدمها، أي على تحديد الأوصاف التي عُلِّق عليها الحكم وما إذا كانت متوفرة في الواقعة المحددة أو لا، خصوصًا أن الظن يكون على مراتب، والفقهاء قد يُشددون في موضع لاعتبار ويخففون في موضع آخر لاعتبار آخر؛ لأن المسألة تدور على الموازنة بين المصالح فيما بينها أو المفاسد فيما بينها عبر طلب المصلحة الأعظم أو درء المفسدة الأشد، أو الموازنة بين المصالح والمفاسد حين تجتمع وتقدير أيهما أوضح أو أغلب: المفسدة أو المصلحة؟، وهذه التقديرات حين ننزلها على وقائع الأعيان تختلف فيها الأنظار، والمكلف نفسه هو الذي يقوم بذلك على وقائعه اليومية وبناء على معرفته لأحواله هو وإلمامه بتفاصيلها وسياقاتها والعوارض التي تَعرض لها.

 

2.    ولكن هل يدخل فعل الإعطاء في واقعتنا ضمن باب الإعانة على الإثم والمعصية؟

قاعدة الإعانة على المعصية يختلف مفهومها من مذهب لآخر، ولأهميتها كَتَب فيها أحد كبار فقهاء الحنفية رسالةً وضح فيها أن ضابط المحرم هو ما قامت المعصية بعيْنِ فِعل المعيَّن وهذا لا يتحقق إلا بواحد من ثلاثة أمور هي:  

1) نية الإعانة على المعصية، بأي ينوي الفاعلُ ذلك.

2) أو بتصريح الفاعل بأنه إنما يدفع لأجل فعل المعصية.

3) أو بتَعَيُّن المعصية في الاستعمال؛ بحيث لا يحتمل هذا الفعلُ غير تلك المعصية من جهة ما جرى عليه عمل الناس.

 

وكل هذه الاحتمالات منتفية في واقعتنا، فدل على أن فعل الإعطاء هنا هو قربةٌ إلى الله تعالى؛ لجواز التصدّق على الإنسان بغض النظر عن معتقده أو ديانته، بل إن حرمان العاصي من الخير بسبب معصيته عملٌ غير أخلاقي.

 

3.    الوسائل إلى المفاسد أو المصالح:

إن التعليل الأخلاقي ضروريّ؛ لأن إجماع الأصوليين على عدم جواز إقدام المكلّف على فعلٍ لا يَعلم حكمه، وهذا ما يدفع إلى تَعَلم التعليل الأخلاقي وممارسته حتى يتصرف الإنسان على هدى ويوقع أفعاله على بصيرة

وهذه الواقعة تحيل في الفقه وأصوله إلى مسألة الوسائل إلى المفاسد أو المصالح، متى يجب سَدُّها ومتى يجب فَتْحها، ومتى تختلف فيها الأنظار فتحًا وسدًّا؟

 

والمعيار الضابط في هذا هو تقدير (قوة) إفضاء الوسيلة إلى المفسدة أو المصلحة، فما كانت قوة إفضائه إلى المفسدة قطعيةً أو غالبةً وجب سدّه؛ لأن النظر يتجه إلى مَنع الفساد المتحتم، وقد يحتمل المفسدةَ والمصلحةَ معًا فيتجه النظرُ إلى رعاية المصالح حين تكون المصلحةُ أقربَ في الوقوع من المفسدة، ولو نزّلنا هذا على وقائع الناس اليومية فإن تقدير الوقائع يكون للمباشِر لها المنخرِط فيها المحيطِ بتفاصيلها.

 

ونظرًا لاختلاف أنظار الفقهاء في رعاية الوسائل (الذرائع) فقد قسّمها بعض الأئمة إلى ثلاثة:

 الأول: ما أجمعوا على سَده كسَبِّ الأصنام المؤدي إلى سَبّ الله سبحانه وتعالى.

الثاني: ما أجمعوا على فتحه كإباحة زراعة العنب؛ رغم اتخاذه خمرًا ووجود مصانع لذلك، ولكن ذلك لا يسوّغ – بحالٍ – منع زراعة العنب أو بيعه؛ مخافة أن يُتَّخَذ خمرًا. وكالتجاور في البيوت؛ رغم أنه قد يؤدي إلى الفساد بحكم الاختلاط والعلاقات التي تنشأ عن المجاورة والتواصل.

الثالث: ما اختلفت فيه الأنظار: هل نُلحقه بالأول الممنوع أم بالثاني المأذون فيه؟ تتعدد المذاهب في هذا؛ نظرًا لاختلاف تقديراتهم وتعليلاتهم.

 

ولو تتبعنا فروع الفقه سنجد مسائل عديدة تدخل في هذا المعنى الذي نشرحه وتوضح اختلاف الأنظار والاعتبارات الأخلاقية، من ذلك مثلاً بيعُ العنب لِمُتخذه خَمرًا، جوّزه أبو حنيفة وسفيان الثوري والحسن البصري وغيرهم، في حين أن الفقهاء حين جاؤوا إلى مسألة بيع السلاح في الفتنة حرموه؛ لأن الإعانة على الإثم وسفك الدم هنا غالبة فسدّوا الذريعة المؤدية إليها وهي بيع السلاح، وغلّبوا جانب حُرمة الدم وسَدّ الطرق المُعينة عليه، وهو ما يدفع إلى القول: إن قاعدة: "كل ما كان فيه إعانة على المعصية فهو حرام" قد لا تطبق في كل الحالات؛ نظرًا لاعتبارات أخرى مركبة تَعْرض للفقيه تدفعه إلى تغليب نظر دون آخر؛ بحسب المسألة وتقدير المفاسد والمصالح والعوارض.

 

ولكن ما يجب التنبيه عليه، أن التعليل الأخلاقي ضروريّ؛ لأن إجماع الأصوليين على عدم جواز إقدام المكلّف على فعلٍ لا يَعلم حكمه، وهذا ما يدفع إلى تَعَلم التعليل الأخلاقي وممارسته حتى يتصرف الإنسان على هدى ويوقع أفعاله على بصيرة، فلا يتصرف إلا وهو معتقدٌ صحة فعله ومستنده في ذلك، ما يعني وجوب المحاكمة العقلية في أفعاله وسائر شؤونه، ومن هنا كان العقل شرطَ التكليف، لأنه المَلَكة التي تحمله على الوعي بأفعاله وتسويغها أخلاقيًّا.

 

إن التعليل الأخلاقي يعي اختلاف الأنظار في الوقت الذي يمارس فيه الانحيازَ لأحدها عبر محاكمة عقلية وتعليلات متماسكة

لم تكن تلك الواقعة التي ناقشناها لتبدو بهذا التعقيد لدى كثيرين، فبعضهم قد ينحاز لإعطاء الشابة دون تردد، وبعضهم قد ينحاز لمنعها دون تردد؛ متوهمًا أن المسألة في غاية الوضوح: الخمر رجس والتعاون على الرجس رجس، ولكن هذا التصور لا صلة له بالفقه؛ لأن هذا قياسٌ منطقيٌّ لا دليلٌ شرعيٌّ يُحتكم إليه، وقد اتضح تعقيد المسألة وصلتها بالفقه والأخلاق معًا؛ لأنهما لا ينفكان فيما أسميناه التعليل الأخلاقي، والفصل بينهما هو من نتاج الحداثة، وليس هذا موضع التفصيل في هذا.

 

وإنما تنشأ الآفة اليوم من الخلط الذي يقوم به بعض المتعجلين، فيَزْعمون النظر المستقلّ في الأدلة، وفضلاً عن أنهم لم يتأهلوا له بتحصيل المعارف اللازمة فإنهم لا يمارسونه حقيقةً، فتجدهم ينتقون من مسائل الفقه ما يوافق أهواءهم ونزعاتهم المتساهلة أو المتشددة دون الوقوف على نظام الفقه نفسه وفلسفته التي لو تم تحصيلها لكانت كفيلةً بتوسيع المدارك وعَقْلنة الاختلاف وأَنْسَنة الفتاوى المعاصرة التي تبدو أحيانًا صماء لا تعقل أو جامدة لا تحسّ!

 

وكما أوضحنا فإن التعليل الأخلاقي يعي اختلاف الأنظار في الوقت الذي يمارس فيه الانحيازَ لأحدها عبر محاكمة عقلية وتعليلات متماسكة، ويمكن لأصحاب الرأي المخالف أن يبنوا تعليلاً مغايرًا؛ بشرط التماسك والاتساق، وبشرط الإقرار بشرعية الأنظار المخالفة، ويمكن للشخص أن يختار لنفسه ما يشاء لكن لا أن يُلزم به غيره ويُكره الناس على ممارسة قناعته هو.

 

ومَن جهل مآخذ الفقهاء وأدلتهم نفَر مما يجهل، وساء ظنّه بالمخالف لما يألفُه هو، وما ذلك إلا للانكفاء على النفس والانحصار في المألوف المعتاد والقعود دون توسيع الأنظار ورياضة النفس بمعرفة أنظار المخالفين ومداركهم في المسائل، والله المستعان.