فرج فودة.. كما عرفته!

blogs فرح فودة

كان "فرج فودة" يخلط أحياناً الجد بالهزل، فلا تعرف إن كان جاداً أم مازحاً! فعندما كتب عن تحريم قيادة النساء للسيارات بالمملكة العربية السعودية، قال إن فتوى التحريم اتخذت بسبب "الفتيس".. (مغير السرعة)، فلأن الشيخ "محمد ابن باز" كان كفيف البصر، فقبل أن يفتي في هذا الأمر أجلسوه في مكان القيادة، فلما امتدت يده إلى "الفتيس"، أصدر على الفور فتواه بتحريم قيادة المرأة للسيارة، منطلقاً من الرمزية الخادشة للحياء التي يمثلها "الفتيس"!

 

وذات مرة كتب مقالاً، يقول فيه إن الجماعة الإسلامية في منطقة "إمبابة" تحرم "المحشي"، ولا أظن أن هذا كان صحيحاً، لكنه كان في ذلك يسعى للسخرية من هذا التيار، الذي ربما كان "فودة" يسعده أن يرد على كتاباته، لكن هذا التيار لا يبدو انشغاله به، ولا أعتقد أنه كان مهتماً بقراءة مقالاته، أو مقالات غيره، وعندما أهتم، وجاء الرد، لم يكن مقالاً في مواجهة مقال، ولكن رصاصاً أنهى حياته، وفي وقت لاحق، سئل قاتله إن كان قرأ له شيئاً فكانت إجابته بالنفي!

 

تعاملت الصحافة القومية في مجملها مع "فرج فودة"، على قاعدة التوظيف لمقالاته في معركة السلطة ضد الإسلاميين في فترة الانتخابات في عامي (1984) و (1987)

كان "فرج فودة" يسعى للشهرة والنجومية، لكن وسائل الإعلام لم تكن ترحب بالقادمين الجدد لعالم الشهرة، فلم تكن مصر قد عرفت القنوات الخاصة، وكان التلفزيون المصري محافظاً، ولا يتسع لأصحاب الأفكار المثيرة للجدل، وكانت صحيفة كبرى كـ "الأهرام" يغلب عليها الطابع المحافظ أيضاً، ولا تقبل كتابات تبدو خفيفة للوهلة الأولى، أما صفحة "رأي الشعب" بـ "الأخبار" وإن كانت قد نشرت له بعض المقالات على مراحل متباعدة، فقد توقفت إعمالاً لقاعدة أرساها المشرف على هذه الصفحة الراحل "عبد الوارث الدسوقي"، وهى عدم السماح بنشر مقالات لمن تنشر لهم الصحف الاخرى!

 

والصحافة القومية في مجملها، تعاملت مع "فرج فودة"، على قاعدة التوظيف لمقالاته في معركة السلطة ضد الإسلاميين في فترة الانتخابات في عامي (1984) و (1987) وفي الأولى عندما تحالف الإخوان مع حزب "الوفد"، وفي الثانية عندما تحالفوا مع حزبي "العمل والأحرار" وفي المرحلتين كان يرسل مقالاته إلى جريدة حزب اليسار "الأهالي"، وعند مطالعة كتبه نكتشف أن عدد المقالات المرفوضة أكثر من عدد المنشورة، وكانت معظم كتبه هى تجميع لمقالاته، ما نشر منها وما لم ينشر، ومن المناسب هنا أن أقول، أنه إلى وقت اغتياله، لم تكن هناك دار نشر قد طبعت له، فكان يطبع على نفقته الخاصة، ويلاحظ لهذا أن مؤلفاته الأولى كانت متواضعة الطباعة، بدائية الإخراج، من ورق الصحف في أغلبها، ليدخل في معضلة أخرى هى التوزيع.

 

فالكتب التي يطبعها الكتاب يوزعونها عبر إحدى دور التوزيع بالصحف، وهى ليست مؤهلة لتوزيع هذه النوعية من الكتب لتواضع الكمية المطبوعة، ولأن منافذ توزيع الصحف أو "الفرشة للدقة"، ليست المكان الجيد لتوزيع الكتب، فضلاً عن قلة فترة العرض للكتاب في الأسواق، والتي لا تزيد عن شهر، على مرتين، فيتم جمعه بعد خمسة عشر يوماً، ليعاد طرحه من جديد لنفس المدة، فلا يتجاوز التوزيع بضع مئات في أحسن الأحوال! ولم تتعامل دور النشر مع كتبه إلا بعد اغتياله، فجمعت "دار المعارف" مقالاته المنشورة في مجلة "أكتوبر" وصدرت في كتاب "هل كان كلاما في الهواء"، كما أن دار نشر خاصة نشرت كتابه عن "زواج المتعة"!

 

وقد توقفت "الأهالي" عن النشر له، بعد مقال حاد كتبه ضد شيخ الأزهر، الشيخ جاد الحق على جاد الحق، وفي اليوم التالي، نشر في "الأهرام"، أن الرئيس مبارك استقبل شيخ الأزهر، وكان هناك تقليد في "الأهرام" بنشر لقاءات رئيس الدولة بالصور بدون أي تفاصيل عن سبب اللقاء وما دار فيه، ومن الواضح أن الشيخ اشتكي لمبارك، وأن مبارك اتصل برئيس الحزب خالد محيي الدين، عاتباً أو مغاضباً، وربما لم يطلب بمنع الكاتب من الكتابة، لكن رئيس حزب "التجمع" الذي يصدر "الأهالي" توقف عن النشر له عملاً بالحكمة التي تنصح بإغلاق الباب الذي يأتي منه الريح ونصها: "الباب الذي يأتي منه الريح سده واستريح"!

 

كان الدكتور "فرج فودة"، يمتلك قدرات خاصة، فقد بدأ الكتابة للصحف كاتباً متمكناً، فلم يحقق في هذا المجال تفوقا بالتراكم والنقاط، لكنه ظهر كاتباً كبيراً، وكان يتميز برشاقة الأسلوب وجمال العبارة، لكن المنابر الإعلامية والسياسية لم تكن مستعدة لاستقباله كاتباً قاراً، وبعد ظهور قناة "الجزيرة" بعد اغتياله، قلت لقد خسره برنامج "الاتجاه المعاكس"، لأنه كان مناظراً مقتدراً، يجيد المناورة، ويملك شجاعة الهجوم، ويتميز بسرعة البديهة!

 

تجلت عبقرية تجلت عبقرية "فرج فودة" في أن أطروحته للدكتوراه في اقتصاديات مياه الري، كانت في الرد على رسالته للماجستير، إذ بنى الرسالة على فرضية التوسع في زراعة الصحراء بالاستعانة بالمياه الجوفية، وجاءت الأطروحة لتنسف هذه الفرضية 
 

ذات مرة كان في زيارتي في جريدة "الأحرار"، ثم طلب مني قبل انصرافه أن يمر على الأستاذ "محمد عامر"، في مقر جريدة "الحقيقة"، المقابلة للأحرار وفي نفس الطابق بالعقار رقم 19 شارع الجمهورية. كان "محمد عامر" يشغل موقع رئيس تحرير جريدة "الأحرار"، بانضمام التيار الإسلامي بقيادة الشيخ صلاح أبو اسماعيل (والد حازم) للحزب، و"عامر" درعمي، تخرج في كلية دار العلوم، ويستهويه أن يتحدث كثيرا بالفصحى من مقام الخطيب، وبخروج "عامر" من "الأحرار" أصدر "الحقيقة" عن الحزب أيضاً، وكان الشائع أن "الأحرار" عادت من جديد صحيفة علمانية!

 

بطريقته الحادة قال "محمد عامر" وكان يقف خارج مكتبه عندما رأى "فرج فودة": "قادم من العربخانة"، و"العربخانة" اصطلاح عامي -على ما يبدو – وهو مشتق من العربدة، وكان استقبالاً محرجا، على الأقل بالنسبة لي، لكن "فرج فودة" لم يحرج أبداً، وكان "عامر" يقف بين مجموعة من الصحفيات المتدربات، فكان رد صاحبنا "جاي من العربخانة على سوق الجواري"!

 

ويروي – والعهدة عليه – إن التلفزيون التونسي نظم مناظرة بينه وبين الشيخ عبد الفتاح مورو، على الهواء، لكن "مورو" لم يحضر، وكان رأي منظمي المناظرة هو الإلغاء، لكنه اقترح أن يترك مكان الشيخ "مورو" شاغراً وتبدأ المناظرة، وظل طوال الحلقة يوجه حديثه للغائب الحاضر، ويقول – والعهدة عليه – أنه تمت ترقية المذيع، لأن عدم إلغاء المناظرة، وفكرة الكرسي الشاغر، نسبت إليه فاستحسنها أولو الأمر في التلفزيون!

 

وتجلت عبقرية "فرج فودة" في أن أطروحته للدكتوراه في اقتصاديات مياه الري، كانت في الرد على رسالته للماجستير، إذ بنى الرسالة على فرضية التوسع في زراعة الصحراء بالاستعانة بالمياه الجوفية، وجاءت الأطروحة لتنسف هذه الفرضية لأنه لا يمكن التوسع في زراعة الصحراء اعتماداً على المياه الجوفية، ومنسوبها محدودا، وليست معيناً لا ينضب!

 

أفتى الشيخ صلاح أبو إسماعيل (والد حازم) قبل سنوات، في مقال منشور بجريدة أفتى الشيخ صلاح أبو إسماعيل (والد حازم) قبل سنوات، في مقال منشور بجريدة "الأحرار" تحت عنوان: "فرج خرج.. خرج" وهو يقصد أنه خرج من الملة، حيث أن الشيخ "صلاح" كان في سنواته الأخيرة يميل للتكفير فأفتى بكفر الخوميني، وكفر مبارك
 

ومهما يكن، فقد كان ضيق المجال، يدفعه لأن يخلط الجد بالهزل على النحو السابق بيانه، من أجل لفت الانظار، لكن لم يكن هذا دأبه دائماً، فقد كان يلجأ إلى إنتاج الشائعات لهذا الغرض ولتمكين الخصم منه، وتقريباً فإن كل الشائعات التي أطلقت عليه كانت من إنتاجه، فقد كانت الصحف الإسلامية تصفه بـ "أبو دكتوراه مضروبة"، وأحياناً كان زميلنا "محمد عبد القدوس" يكتب في الباب الذي كان يحرره في جريدة "الشعب" باسم "أخبار ممنوعة"، أن جهات غربية هى التي منحته الدكتوراه، ليسهل لها عملية تقديمه للشعب المصري، باعتبار أنه "صاحب حيثية" والدليل أنه حاصل على الدكتوراه من إحدى الجامعات الغربية، وبعد أن تراوح الأمر بين أنه حاصل على دكتوراه مزورة، أو بالمجاملة، أعلن بعد سنوات في حواره معي أن درجة الدكتوراه حاصل عليها من مصر ومن جامعة عين شمس، ولم يتوقف "محمد عبد القدوس" عن ما يكتبه، وواصل مشواره، فتارة الدكتوراه مضروبة، وتارة بالمجاملة.

 

واستغلني ذات مرة في ترويج شائعة عنه، وكان رأيه أن الإسلاميين، يمكن أن يصدقوا أي شيء يقال عنه، وكان رأيي أنهم ليسوا مشغولين به إلى هذه الدرجة وقلت في جريدة "الحقيقة ما اتفقنا عليه من أنه حزين هذه الأيام لأن ابنته "ياسمين" مصرة على الزواج من ابن السفير الإسرائيلي، ولماذا "ياسمين"، وليست "سمر"؟ ليمكنه نفي الاتهام، فياسمين طفلة لم تتجاوز الحادية عشر من عمرها، في حين أنها "سمر" تكبرها بسنتين أو ثلاث!

 

وفوجئت بالأستاذ "محمد عامر" رحمه الله، يقول لي لا تصدق أنه حزين، هو يصدر لك أنت هذه المشاعر الزائفة.. لقد تمت "الخطوبة" بمباركة منه وهو نفسه يعلم ذلك، وأسقط في يدي عندما وجدت الخبر منشوراً في أول عدد صدر من "الحقيقة" بعد هذا الحوار، وكانت تصدر أسبوعياً.

 

أزعج أمر "زواج" المتعة الذي كتبه فوده الشيخ عبد المنعم القيعي، فأرسل رداً، أفاض فيه في ذكر الأدلة بتحريم "زواج المتعة"، فكتب "فودة" مقالاً، جاء فيه أنه كان يتمني أن ينتصر القيعي لرأي السنة في حشد الأدلة التي تؤكد حرمة "المتعة"، لكن رده لضعفه يخدم وجهة نظر الشيعة

كان الشيخ صلاح أبو اسماعيل (والد حازم) قد توقف عن التعرض له، وكان هو يشكو من عدم اشتباك أي شيخ معه؟ وقلت له ربما أنك تكتب مقالاتك بشكل محكم، فلا يمكن النفاذ منها، وينبغي أن تترك ثغرة، تغري بالدخول منها عندئذ تحتشد أنت في صد العدوان وبعد أن يكون الخصم قد تورط بالرد.

 

لا أعرف إن كانت في ذهنه هذه النصيحة وهو يكتب مقاله عن الحدود في الإسلام أم هى المصادفة التي هى خير من ألف ميعاد!

 

كان مقاله المنشور في جريدة "الأحرار"، إن لم تخن الذاكرة يحمل عنوان: "كان الزمن معطاءً"، وهو يروي ما قاله في ندوة بهيئة الكتاب، عن أن الحدود وضعت في نظام مختلف، فقد كان الزمن معطاءً، وكان معظم الصحابة يأخذون بتعدد الزوجات، فضلاً عما ملكت اليمين، بالإضافة إلى زواج المتعة الذي فيه خلاف بين السنة والشيعة، على النحو الذي وعد التطرق لتفاصيله في مقال الأسبوع القادم، فإن زنى أحد بعد كل هذا فوجب قذفه بحجارة المقطم، وليس فقط تطبيق حد الزنى عليه!

 

وربما أزعج أمر "زواج" المتعة الشيخ عبد المنعم القيعي الأستاذ بجامعة الأزهر، فأرسل للجريدة رداً، أفاض فيه في ذكر الأدلة على تحريم "زواج المتعة"، وكتب "فودة" مقالاً بعنوان: "يا فرحة كل شيعي برد الدكتور القيعي"، جاء فيه أنه كرجل من أهل السنة، كان يتمني أن ينتصر الدكتور القيعي لرأي السنة في حشد الأدلة التي تؤكد حرمة "المتعة"، لكن رده لضعفه يخدم وجهة نظر الشيعة، ودخل الأستاذ بجامعة الأزهر أيضا الدكتور "محمد أحمد المسير" على الخط، وفي مناظرة استمرت لعدة أسابيع، ولا أتذكر كيف توقفت، لكنها مثلت نقلة مهمة في حياته، مهدت للمناظرة الكبرى في معرض الكتاب، التي دشنت لعملية اغتياله، ولا أعرف أي قول له تم الحكم بمقتضاه بأنه كافر، كما لا أعرف ماذا قال دفع شيخاً عرف عنه الاعتدال طيلة حياته، وهو الشيخ محمد الغزالي، يفتي بكفره في المحكمة التي انعقدت لقاتله.

 

لقد أفتى بذلك الشيخ صلاح أبو إسماعيل (والد حازم) قبل سنوات، في مقال منشور بجريدة "الأحرار" تحت عنوان: "فرج خرج.. خرج" وهو يقصد أنه خرج من الملة، والشيخ "صلاح" كان في سنواته الأخيرة يميل للتكفير فأفتى بكفر الخوميني، وكفر مبارك، لكن "الغزالي" لم يكن أبداً من أهل التكفير، فقد كان شخصاً آخر غير الذي نعرفه هو الذي يكفر فرج فودة؟

 

ما أتذكره جيداً، أنني رأيت عيني "الغزالي" و"فرج فودة" يتحدث في مناظرة معرض الكتاب، تلمعان، هل أقول إعجاباً؟ عموماً هذا ما نقلته لـ "فرح فودة" وأرجعه إلى أن يكتوي بنار الإسلاميين أكثر منه. ويظل السؤال الذي أبحث له عن إجابة: في أي شيء كفر؟!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة