شكرا لك أيها الرفيق

Blogs- read

أستحضر تلك اللحظات بابتسامة فاترة على وجهي، كم كنت أنظر إليه حينذاك بامتعاض شديد، عندما كنت أحدثه وهو لاهٍ يتصفح إحدى الجرائد، كانت تلك عادته ولوُع بقراءة الأخبار، والتطلع إلى ما جدّ من أحوال العالم، لم يكن يقتصر على قراءة ما يشتري فقط، بل كان يقرأ كل ما يجد في طريقه من جرائد ملقاة على الرصيف، كنت أثناء تجولي معه بإحدى أحياء المدينة العتيقة، ألاحظ أنه لا يهمه شيئ غير البحث عن بائعي الكتب المستعملة، يحملق في تلك الكتب ويقرأ طرفاً منه فإذا أعجبه كان يأخذه إن كان في جيبه ما يسدد به ثمنه وإلا تركه.

       

هكذا كان رفيقي، لا زلت أتذكر ذاك اليوم الذي أغراني فيه باقتناء كتاب "الاسلام والمدنية" ل محمد عبده، رغم بخس ثمنه إلا أني أخذته من باب الترف لا غير، كنت أكره النظر إلى الكتب، عندما كنت أتصفح أول ورقة منه أشعر بالملل، فأكتفي بالتحديق إلى طبعته والنظر إلى غلافه إن كان يحمل رسماً جميلاً، ثم أتركه وأنصرف إلى هاتفي الذي كنت أقضي فيه معظم وقتي عبر الألعاب الموجودة فيه، كان جل مصروفي يذهب عبر اللباس والأكل، ثم ما بقي أصرفه في التجوال وغير ذلك.

       

كان ذاك الكتاب هو بداية ولوجي عالم القراءة، رغم تأففي منه بداية إلا أني استطعت بشق الأنفس إتمامه، لم أعد اتذكر منه شيئا، ولا أدري أني كنت قد فهمته حينذاك، لكني أحببت تلك المغامرة، كان الوقت يمضي معه رغم الملل، لكنه كان يأخذني إلى عالم الخيال الذي كان يجذبني منذ طفولتي، في الحقيقة اكتشفت أثناء تجربتي مع ذاك الكتاب كم كنت غبياً عندما كنت أتجاهل عالم القراءة، فأنا منذ طفولتي كنت أكره الثرثرة والجدال وكثرة الكلام، لكني كنت أجهل هذا العالم السحري، الذي يجعلك تحلق في سماء الفكر، يجعلك تشعر وكأنك طير تخلص لتوه من قفصه، فجعل يحلق في الفضاء الفسيح.

       

 لا يمكن أن أمر بجانب مكتبة دون اقتناء كتاب ما، وهذا الإقبال على الاقتناء كان يصاحبه محاولة قراءة كل ما أقتني، حتى ولو تصفحاً وحتى كذلك ساعدتني هذه الطريقة فيما بعد عندما حاولت القراءة بطريقة متأنية
 لا يمكن أن أمر بجانب مكتبة دون اقتناء كتاب ما، وهذا الإقبال على الاقتناء كان يصاحبه محاولة قراءة كل ما أقتني، حتى ولو تصفحاً وحتى كذلك ساعدتني هذه الطريقة فيما بعد عندما حاولت القراءة بطريقة متأنية
 

كانت تلك البداية قبل أن أصبح مدمناً على اقتناء الكتب، لم أكن أستطيع التمييز بين الكتاب الفكري أو الفلسفي، أو حتى الرواية أو القصة، كل ما كان يهمني هو اقتناءه سواء مجلة أو غيره، بل بعد ذلك اكتشفت كم اجتمع عندي من مجلات قديمة بعضها يعود لفترة الستينات والسبعينات، كنت أحاول تصفحها حتى مع عدم فهمي لمضمونها، لكن تلك المرحلة كانت ضرورية حتى أستطيع الوصول إلى مرحلة القارئ النهم، التي كنت أشرئب إليها، وكنت جد آسف على حالي خاصة عندما كنا نكون في درس أو حوار، فيطرح سؤال في الثقافة العامة، فلا أجد في حوزتي ما يكفي للإجابة فكنت أصاب بالخجل، وأتطلع إلى من يجيب باستكبار شديد.

       

لكن تلك المرحلة للأسف عانيت الكثير، لعدم إيجادي من يحدد لي بوصلة القراءة، كنت لا أفرق بين ما هو تاريخي أدبي، فكري، اقتصادي، بل كنت أتصفح كل ما تقع عليه عيناي، بعد مدة اكتشفت أني أهدرت وقتاً ثميناً، كان من الممكن استثماره في القراءة التي ستساعد في تكويني، لو كنت وجدت من يرشدني، لكني مع ذلك خضت المعمعة، وتلك القراءة وإن لم أستفد منها معلوماتيا، إلا أنها تبقى أنها كانت بمثابة محفز لي على الاستمرار في القراءة، عودتني الصبر وعدم الضجر من الكتاب، فعندما وجدت نفسي في القراءة الفكرية والفلسفية بعد مدة، تقلص حجم اهتمامي على هاذين الجانبين، فلم أعد أقتني كل ما وجدت في طريقي، بل حاولت اختيار كتب تناسب اهتمامي.

         

لكني مع المدة صرت ولوعاً بقراءة الكتب ربما أكثر حتى ممن أرشدني في البداية، حتى أصبحت لا يمكن أن أمر بجانب مكتبة دون اقتناء كتاب ما، وهذا الإقبال على الاقتناء كان يصاحبه محاولة قراءة كل ما أقتني، حتى ولو تصفحاً وحتى كذلك ساعدتني هذه الطريقة فيما بعد عندما حاولت القراءة بطريقة متأنية، كانت البداية رفقة صالحة، لم تقف عندي، فالكثيرون ممن احتكوا بي نحو نفس المنحنى كذلك، لا أعرف يا صديقي من أجج في نفسك نار القراءة، وأثار شغفك وولعك بالكتاب، لكني أدرك الآن أن وجودك كان منحة إلاهية، لذلك لا يسعني الآن إلا أن اقول لك شكراً أيها الرفيق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان