بين الباطل والحق.. ميزان مقلوب

blogs ميزان

ما يحدث في بلادنا هو خلل كبير في التقييم، الباطل أصبح حق والقبيح أصبح جميل وأصبحت النفس البشرية أهون ما يكون، وعلى أيدي حماة الوطن تُنتهك الحقوق والمبادئ باسم إرهاب كان بالأمس محتمل، وأصحاب الرأي والفكر والهمم ما بين سجين ومهاجر ومطارد، كيف لأمة تدعي سعيها للنهوض أن تفعل هذا بأبنائها؟ كيف تزرع الأرض دون مزارع؟ كيف تصنع دون صانع؟ كيف تدافع دون مقاتل؟ تنادون دائماً الوطن الوطن وجعلتموه إله فوق البشر وأنتم من دنستموه وجعلتموه في ذيل الأمم جعلتم من الواسع ضيق وتقاسمتموه بينكم، واليوم ها أنتم تبيعوه وياليتكم قدرتموه.. أهو استخفاف بالعقول؟ أم طغيان فاق كل الحدود؟ أن تصنعوا كيان وتقدسوه وتضعوا الخطوط والحدود، والويل كل الويل لمن تجرأ عليه أو حاول المساس به حتى وإن كان بطرف العين حينها يكون قد وقع في المحظور وكل هذا ليس إلا على أبناء الوطن.

كأنها لافتة وضعت على سور خطر الموت بها جمجمة كانت بالأمس تنبض بالحياة وعقل أتعبه شقاء السنين وعظمتان كانت لمسكين يبني بها وطناً يحميه ويأويه من طمع الطامعين ولكنه انتهى قبل أن ينهي البناء، قد وهنت عظامه ورحل على أمل أن يكملوه المساكين، أفيدك يا أخي أنه اكتمل البناء ولكن غير ما كنت تبنيه إنه سور محكم على من داخله وهش على من خارجه واليوم أنت على السور بداخله رسالة تهديد ووعيد لمن تسول له نفسه أن يتخطى الحدود.

فهذه بلدتي الصغيرة نعرف شوارعها ونعرف كل من فيها، نعرف بعضنا بعضاً، نعرف من الجاني ومن المجني عليه، نعرف الجميل من القبيح نعرف الأصيل من الوضيع حتى وإن بدت على الوجوه غير ذلك فالكل في داخله يعرف حقيقته، والجميل في الكبوات أنها تُظهر الأصيل كبركان ثار وخرب ودمر ولكنه أخرج لنا المعدن النفيس، وهذا صديقي وأخي أعرف عنه أكثر ما يعرفه عن نفسه تلاصقت بيوتنا وقلوبنا، متلازمين دائماً لا يغيب عن ناظري، ودائماً كان يتغنى بحب الوطن وها أنت اليوم باسم الوطن تُبيح دمه وتخبرني بأنه تابع لتنظيم! أي تنظيم أيها الغبي؟ أهكذا يحيا الوطن؟ أهكذا تحمي الوطن؟ إذا ما أنت اليوم تقتل من أحياك فغداً من يحيك؟ قاتل أعماه الظلم عن الحق تملكه الشيطان فنسي ذكر ربه، فأصبح سلاحاً بيد الظالمين يبطش به أهل الحق، ولكن سنة الله في الأرض أن وطن الظالمين ساعة ووطن الحق إلى قيام الساعة.

واحسرتاه على وطن كان بالأمس منارة للعالمين به المعالم لا تُخفى عن الناظرين، تباً لفرعون استخف قومه فأطاعوه، وأبواقاً لا تمل من المديح والنهيق عن قوة فكره وذكاءه وجماله ومحنه 
واحسرتاه على وطن كان بالأمس منارة للعالمين به المعالم لا تُخفى عن الناظرين، تباً لفرعون استخف قومه فأطاعوه، وأبواقاً لا تمل من المديح والنهيق عن قوة فكره وذكاءه وجماله ومحنه 
 

وهذا شعار نردده دائماً تحيا وتحيا وتحيا نسمعه كثيراً من الصغر إلى الكبر في المدارس وفي الجامعات في الندوات واللقاءات كلمات ظاهرها جميل تحرك المشاعر بها نبض قلب قوي يحب بكل صدق، ولكن استمع جيداً لمن يقولها أهو حقاً يعي ما هي ويعرف حقها؟ في واقع الأمر إنه حق يُراد به باطل.. فأنا لا أمانع أن تحيا بل إني شهيد في عقيدتي إذا ما راحت نفسي دونها وواجب علي أموت لأجلها فهذا هو عرضي ولكنهم لا يعرفون متى أموت لأجلها ومتى أجاهد لترابها بل إنها تحيا لهم ومَن دونهم يموت لأجلها! وأي حياة تحيونها إنها حياة الذل والهوان حياة المكر والخداع فلا خير في حياة لم ترى الكرامة شمسها، تحيا في عتمة غاب عنها القمر ولم تجد النجوم مكانا لها إنها حياة ظلمات من فوقها ظلمات.

واليوم أصبح للوطن سعر! سلعة تباع وتشترى، إذا ما أردت أن تشتري فلتدفع لنا، وما عليك من الوثائق والصكوك سنتكفل بها فعندنا أصحاب الهمم العالية في الانحطاط بارعون فتلك خدمة ننفرد بها، وما عليك من أهل السلع إن لم يتركوا باللين فمعنا سلاح نبطش به المعارضين وكل شيء في نطاق الدين فلدينا مجموعة شيوخ في الطبخ ماهرين يضعون الفتوى كأطباق حلوى يقدموها للمشترين.. كيف هذا يا هذا أنت من تقولها تحيا ثلاثة، أتكون هذه ثلاث طلقات ولا ندري؟ لعلمك إنها لا تحل لك فأنت مغتصب لها وخائن أمانة.

حقيقة أنت باهت وغير معلوم كلامك كله غير مفهوم أم أنك صاحب لغة جديدة تحتاج لفك الطلاسيم وتدخلنا في دائرة الشعوذة والدجالين.. أأنت زعيم السلاطين وقائد الركن العظيم.. واحسرتاه على وطن كان بالأمس منارة للعالمين به المعالم لا تُخفى عن الناظرين، تباً لفرعون استخف قومه فأطاعوه، وأبواقاً لا تمل من المديح والنهيق عن قوة فكره وذكاءه وجماله ومحنه وكأنما يتحدثون عن آخر في بلد آخر، جعلوها جنة في الخيال ولكن الجحيم على أرضها واقع يتألم فيه ملايين المساكين، ذكرني بقائل عن إنجازاته كأنها شيطان لا يراه إلا الحمير.

ويقيني في الله وبالله أعظم من أي شيء، يقيناً خالص لا شك فيه حيث قال تعالى: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" وقال أيضاً: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا".. وعلى مر الأزمنة مهما طال الظلم لابد يوم ينتصر فيه الحق وأهله هذه سنة الله في الأرض هو أعلم بنا منا وهو الرحمن الرحيم بيده كل شيء نسأله تبارك وتعالى الثبات على الحق وأن يحفظنا بحفظه والحمد لله رب العالمين.