بقايا إنسان مهاجر

مدونات - مخيمات
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، كلماتٌ دوماً ما يرددها روّاد التنمية البشريّة على مسامع المنهَكين عقلاً وروحاً وقلباً في مخيّمات الشتات أو اللجوء، بينما يتقنُ السامعون دورَ المتأثّرِ إيجاباً، يصفّقون بحرارة، أو يومئون برؤوسهم مؤيدين، وذكريات تشتعل فيهم، يداري كلٌّ منهم حكاية بحجم قذيفة كتبت النهاية ليوميات بيتٍ في ريفِ دمشق، وانفجارٌ هجّر عائلة من بغداد، وشظيّة أوقفت أحلامَ شابٍّ عن المضيّ قدماً في غزّة، وطفَرٌ ينخرُ كالسوس في جيب ربّ عائلةٍ ملّ العيش على الرمق الأخير من قوته، فغدى مهاجراً يرى في الغربة وطنه، وفي وطنه غربة، والحسرة لا تفارقه في الحالتين، ورثاء امرأة خاطبت السحُب الماطرة في ذلك اليومِ المشؤوم "غطّي حبيبي… فإنّ ثيابي مبللةٌ بدمه"، كما يقول درويش الذي علّمنا الحياة ورحل، وألفُ حكاية وحكاية، فهل تعلو محاولات استنهاض الأملِ هذه على كلّ حكايا المُهجّرين العصيّة على النسيان؟!
أثناء بحثي عن مقطع موسيقي على موقع اليوتيوب لتحريك برودٍ أصابَ مشاعري بعد غصّة لازمتني لأيام، علّي أجدُ في الألحان كلمات تنسجم مع إحدى مقالات الرأي التي كان لزاماً عليّ تحريرها وتسليمها في الوقت المحدد، لفتتني مقاطع فيديو لـ "شكران مرتجى" وهي تمثّلُ مشاهد من واقع سوريا المؤلم، منها ما كان تحت وطأة القصف، وأخرى أثناء فرارها وعائلتها من الحرب ليجدوا ملاذهم في ألمانيا، ومشاهدَ أخرى تحكي لحظات المثول أمام البحر والاستعداد لخوض غمار الموت على متن قارب لا يصلح للتنزّه على بعد أمتارٍ من الشاطئ وليس الإبحارُ لمسافاتٍ شاسعة عبر المحيط.

كثيراً ما أسأل نفسي: "هذه المشاهد القاسية والأيام الصعبة ولحظات اللجوء المحفورة في أذهانِ هؤلاء الأطفال كيف ستكبر في داخلهم وإلى أيّ شيءٍ ستتحوّل عندما يشتدُّ عودهم

ومقطعٌ آخر أثناء السير بأطفالٍ رضّع لساعاتٍ طويلة في جوٍّ عاصف، وجلسة سمرٍ في الطريق المؤدي للمنفى على ترنيماتهم الجماعيّة لأغنية "حلوة يا بلدي"، الحقيقة أبدعت شكران في تمثيلها الدرامي التراجدي إبداعها المعتاد في الكوميديا، والدليل محاولاتي الفاشلة للتخفيف من تأثري الشديد وانطلاقي لعمليّة التحرير بعدَ ذلك بانسيابية لم أجد معها صعوبة في العثور على الكلمات، هكذا هي الكلمات، ثرثارة عند الحزن، وتقف عاجزة عند الفرح.

كميّة القهر والمكابرة واللحظات المؤلمة في تلك المشاهد لمستها أثناء رحلتي الأخيرة إلى تركيا في عيون كلّ شابٍّ سوريّ، بل وحتّى عربي، يعمل في مقهى أو مطعم أو بائع متجوّل أو عازفٍ موسيقيّ على إحدى ضفاف البوسفور في مدينة اسطنبول الساحرةُ سِحرَ امرأةٍ لم يطغى شحوب وجهها على جمالها الغارق في الحزن، هؤلاء الشباب، سواءً المُهجَّرُ عنوة أو المهاجر بإرادته ما هم إلا ضحايا شبيحة الأنظمة القمعيّة وفاسدين ملؤا كروشهم من قوت الغلابا وهدموا بمِعوَلِ الرشوة والمحسوبية ميزانيات دولهم أو متطرّفٍ وقع في فخّ أنظمَةٍ إرهابية مُعدٌّ لها مسبقاً لتسوّق كافّة أنواع الإجرامِ باسم الإسلام.

المدينة ذاتها التي شهِدَت إحدى زقاقها نهاية مأساويّة لمشرّدةٍ وابنتها لفظتهم بلادهم بعيداً، بعيداً جداً عن أحضانها، هذه قصّتنا باختصار، "عروبة" مُغيّبة و"حلا" يُشوّهها الظّلمُ بسكّين الغدر، ستظلّ هذه المدينة وكلّ مُدنِ المهجر التي تستقبل اللاجئين، على مضضٍ أو بسعة صدرٍ وترحاب، تطوي بين دفّاتها حكاياتٌ بطعمِ الوحشة والفقدِ والبِعادِ والقهر، لاجئون تجاوزوا حاجز الـ 65 مليون عالمياً وفقاً للإحصائيات الأخيرة لمفوضيّة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتقلّب كلّ منهم بين ذكرى الأمسِ ومستقبلٍ مجهول.

10 مليون على هذه الأرض بلا هويّة، ولا يملكون ما يثبت أصولهم أو البلدان التي جاؤوا منها، أكثر من 11 مليون من هؤلاء اللاجئين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً، وكثيراً ما أسأل نفسي: "هذه المشاهد القاسية والأيام الصعبة ولحظات اللجوء المحفورة في أذهانِ هؤلاء الأطفال كيف ستكبر في داخلهم وإلى أيّ شيءٍ ستتحوّل عندما يشتدُّ عودهم وما أثرها على العالم من حولهم؟" الإجابة مخبأة في القادمِ من الأيام، والمستقبلُ وحده سيكشف الغطاء، إما عن المزيدِ من القنابل الموقوتة أو عن حرية وسلام وأحلام من هذا القبيل، لا بأس، دعوا ما في الغدِ للغد، المهم أن يأخذ الطغاة نصيبهم من دمائهم وأرواحهم وذكرياتهم ويتركوا لهم ما تبقّى منهم.