شعار قسم مدونات

أنقرة وكردستان.. والخيارات المحدودة!

blogs - أردوغان
إن التحالف التركي- الكردي لأكثر من عقد فرضته ظروف ومعطيات سياسية واقتصادية مختلفة، وذلك بعد أن أيقن الطرفان بان الحلول العسكرية والأمنية لا تخدم المصالح المشتركة بين الطرفين، ومحاولة العدالة والتنمية من خلق فرص اقتصادية جديدة لإنقاذ تركيا من العزلة السياسية والديون التي أثقلت كاهل الدولة التركية بعد تزايد حالة التضخم الاقتصادي وعدم امتلاك تركيا لأي نوع من الاستقلالية في رسم سياستها الخارجية بمعزل عن الغرب. فقد تمكنت العدالة والتنمية من خلال مهندس سياستها الخارجية (أحمد داود أوغلو) من إحداث نقلة نوعية في تركيا من دولة لا تمتلك الكثير من الخيارات بعد الحرب الباردة إلى دولة إقليمية تهدف إلى التوسع الإقليمي باستخدام قوة مرنة في أكثر المناطق توترا جراء الصراعات وتصادم المصالح الدولية. 

إن تصفير المشاكل مع إقليم كردستان حققت الكثير من الإنجازات الاقتصادية والأمنية والسياسية لأنقرة في كردستان والعراق، ووصلت حجم التبادل الاقتصادي مع العراق من خلال كردستان لأكثر من ١٦ مليار دولار لتكون الدولة الثانية من حيث اعتمادها على الاستيرادات التركية. لا شك أن الاستفتاء الذي أجرته السلطات الكردية بغرض الانفصال عن العراق بعد تعقيد الأزمات السياسية بين أربيل وبغداد قد أربك الحليف الإقليمي للكرد في الشرق الأوسط، والقلق التركي هو وليد ظروف وحسابات محلية وبعضها إقليمية قائمة على قراءات جيوسياسية دقيقة في المنطقة.

الاستفتاء في إقليم كردستان فرض على أنقرة مواقف متصاعدة لمغازلة الطرف الإيراني. والمعطيات الأمنية والاقتصادية تفرض على أنقرة عدم التسرع في فرض عقوبات اقتصادية على الإقليم
الاستفتاء في إقليم كردستان فرض على أنقرة مواقف متصاعدة لمغازلة الطرف الإيراني. والمعطيات الأمنية والاقتصادية تفرض على أنقرة عدم التسرع في فرض عقوبات اقتصادية على الإقليم

إن التقارب بين العدالة والتنمية وحزب الأم القومي التركي، فرض على النخبة المحافظة مواقف وسياسات متباينة عن سابقتها، وذلك لمغازلة التيار القومي المتصاعد في الداخل التركي، خاصة بعد الانقلاب العسكري في ٢٠١٦. وكذلك لحفظ التوازنات في مسألة الرأي العام التركي بالشكل الذي يخدم أردوغان وطموحاته السياسية في تركيا، إذن إن الموقف التركي تجاه استفتاء كردستان قائم على قراءات مرحلية قابلة للتغيير في أي لحظة.

أما العامل الإقليمي، فإن التوقيت وعدم التشاور مع الطرف التركي قد أفرز موقفا تركيا متصاعدا، وذلك بسبب التقارب الجيوسياسي بين كل من روسيا وإيران وتركيا ومحاولة أنقرة تحقيق مصالح أمنية في شمال سوريا، فالاستفتاء في إقليم كردستان فرض على أنقرة مواقف متصاعدة لمغازلة الطرف الإيراني.

والمعطيات الأمنية والاقتصادية تفرض على أنقرة عدم التسرع في فرض عقوبات اقتصادية أو استخدام القوة العسكرية ضد الإقليم، وذلك للروابط الأمنية والاقتصادية التي تخلق حالة المستفيد المتبادل (Win-Win) بين الطرفين الكردي والتركي، وكذلك الموقع الجيوسياسي المهم لإقليم كردستان، كونها عمق أمني مهم لتركيا، خاصة بعد فقدان العرب السنة لأي دور يذكر في ظل تزايد الدور الإيراني وتوسع نفوذ الميليشيات الشيعية في العراق.

وأخيرا، أنقرة في ظل التأزم الدبلوماسي مع أوروبا وفقدان الثقة مع الولايات المتحدة والتوسع الإيراني لا يمكن أن تغامر بعلاقاتها الاستراتيجية مع إقليم كردستان، خاصة في ظل المحاولات التركية من إيجاد بدائل سياسية واقتصادية للتحرر من العزلة السياسية التي فرضت عليها تطورات الربيع العربي والأزمة السورية التي بدورها أدت إلى اختلال توازن القوة في الشرق الأوسط.