شعار قسم مدونات

البؤساء من يكبرون سريعا

Blogs- crowd

كانت حياةً هادئةً شبه متكررةٍ بأحداثها وتفاصيلها، لا يتغيرُ منها شيءٌ عدا تقويم السنة، عالمٌ خارج العالمِ لا تحكمهُ قوانينه المعقدةُ وأحكامه الجائرة.  في المساء تدور الأحاديثُ في أغلبها عن حكاياتِ الجنود، لكل شخصٍ منهم قصته الخاصةُ وطريقةُ سردها المشوقة.

         

رجالٌ ماتوا في مدنٍ لمْ يروها بحياتهم، رجالٌ قاتلوا باسمِ العروبةِ والدين، يتحدثون بألمٍ غير آسفين على المشاركةِ بالدفاعِ عن أرضٍ مغتصبةٍ لا يعرفون عنها سوى اسمها، ومسجدٌ تشتاقٌ أنفسهم للصلاة فيه.ظروف المعيشةِ كانت صعبةً على الجميعِ تقريباً، لمْ يكن الانشغال بتحسينها محورَ اهتمام الناسٍ، الكلُ راضٍ بعيشته. الجميلُ في الموضوعِ أننا لا نعلمُ كيف تسيرُ حياتنا لمْ يكن هناكَ سببٌ لنمِلها فنحنُ لمْ نعشْ غير هذه الحياة ولا نعرفُ غير هؤلاء الأشخاص. لا أدري كيف كان العالمُ يجري خارج قريتنا، ولا أدري إن كانت حياتُنا مملةً أو رتيبةً لكنها أبعدُ ما تكون عن التعاسة.

          

مرحلةُ الطفولةٍ التي عِشناها في قُرانا شكلت تصوراتنا عن الحياة وبنتْ جميعَ توجهاتنا على أساسٍ دينيّ. نظرتُنا للعالم، نظرةٌ حددها صدقُ مفاهيمنا وتربيتنا على قيمٍ من عالمِ الخيالِ لا من عالم البشر، نظرةٌ مليئةٌ بتفاؤلٍ لا شيء يدعوا إليه إلا قصصَ أولئك المسنين.  حتى أن أحدنا كان يتمنى أن يكبر بسرعةٍ للذهابِ لفلسطين والقتال فيها، وكأن جيشاً عربيا بانتظاره، أمنياتٌ ساذجةٌ من أطفالٍ سذّج لم يروا الحياةَ على حقيقتها بعد، وهم في طريقهم إلى ذلك. 

         

أصبحَ ساذجًا وأبلهًا كلُ من يتمتمُ باسمِ فلسطين. أصبح رجعيًا من يرى أن القدسَ عربيةً وأن المقاومةَ يجبُ أن تستمر، لنستمرَ نحنُ بالتنفسِ رغمًا عن الأعداء
أصبحَ ساذجًا وأبلهًا كلُ من يتمتمُ باسمِ فلسطين. أصبح رجعيًا من يرى أن القدسَ عربيةً وأن المقاومةَ يجبُ أن تستمر، لنستمرَ نحنُ بالتنفسِ رغمًا عن الأعداء
 

كان العالم – بعد مرحلة الطفولة- غريبًا غير ذلك الذي عرفتَه، صار سوءُ الأخلاقِ أمرًا لا يدعوا إلى التقزز، الكذبُ تجدْ له ألفَ تبريرٍ من المجتمع، المصلحةُ الشخصيةُ غيرت نفوسَ الناس، حتى الثوابتُ الأخلاقيةُ والدينيةُ صارت من هوامشِ الحياة، التعجبُ ممن نرى منه فعلاً حسناً وهو الذي كان أمرًا مألوفا. لا أدري كيفَ حدثَ هذا التغيّرُ ومتى، كأنها حياةٌ ثانيةٌ مشوهةٌ غير الحياةِ التي عرفتهَا وعشتهَا، لكنّكَ لا تذكرُ عمليةَ الانتقال إليها، تستيقظُ لتجدَ كل ما تعلمته كذبة، مبادئكَ قيمكَ تصوراتكَ مفاهيمكَ، حتى الوطن كذبة. تقاتلنا تلك الأماني المختبئةُ في أبعدِ زاويةٍ من زوايا الذاكرة، لا نحنُ ممن احترفَ النسيانِ فنطمرها ولا الحياةُ عادلةٌ كما عرفناها ونحنُ صغارٌ أو كما ظنّنا أنّا نعرفها.

          

نعم أصبحَ ساذجًا وأبلهًا كلُ من يتمتمُ باسمِ فلسطين. أصبح رجعيًا من يرى أن القدسَ عربيةً وأن المقاومةَ يجبُ أن تستمر، لنستمرَ نحنُ بالتنفسِ رغمًا عن الأعداء. اختلفَ تعريفُ التطرفِ والإرهاب، فالتطرفُ أن تتحدثَ وفي نفسكَ شيئًا من الاعتزاز بدينك، أما الإرهابُ فصارَ يشيرُ إلى أي ردةِ فعلٍ يقومُ بها مسلمٍ للدفاعِ عن حقوقه وكرامته.

        

بعدَ كل هذا تقفُ حائرًا متشككًا حتى في نفسك، في بداية الأمرِ تخشى المواجهةَ تحاولُ أن تكون منهم تجهدُ نفسكَ في التبريرِ عن كل كذبةٍ تقال. تبحثُ عن أي شيءٍ ليساعدكَ على تصديقِ أوهامك. تجربُ أن تكون منافقًا فتدعي أن الإسلامَ هو المسببُ للتخلفِ والفسادِ وتردي حالُ الأمة، وتجربُ أن تكون علمانيًا فتشتمُ الإسلامَ في كل مناسبة، حتى إذا حدثَ خلافٌ بينكَ وبينَ زوجتكَ شتمته. تجربُ وتجربُ والنتيجةُ واحدةٌ لا شعور بقيمتك ولا وجودَ لك، تعلمُ في قرارةِ نفسك أنكَ كذّابٌ وضعيفٌ وخائفٌ من المواجهة. بعدها تصلُ إلى نهايةِ الصراعِ مع ذاتك، إما إنساناً فارغاً متجردًا من إنسانيته يخافُ النظرَ إلى الماضي ويخشى قول الحق، وإما إنسانًا واثقاً صابراً يدري من هو وماذا يريد.

              

لن تتحاشى سخريةَ البائسين، أولئكَ الذينَ تنكروا لذواتهم وبقوا بلا هوية، وهم يحاولونَ بكلَ بؤسٍ طمس الحقيقةِ وإسكاتَ الضمائرَ الحيةَ لأنها تعكسُ صورتهم المشوهة، وتعري كذبَ مبادئهم وزيفها.
لن تتحاشى سخريةَ البائسين، أولئكَ الذينَ تنكروا لذواتهم وبقوا بلا هوية، وهم يحاولونَ بكلَ بؤسٍ طمس الحقيقةِ وإسكاتَ الضمائرَ الحيةَ لأنها تعكسُ صورتهم المشوهة، وتعري كذبَ مبادئهم وزيفها.
       

استسلمْ حتى إن الاستسلام من أصعب الخيارات المطروحة لكنه الأفضل، لا تعاندْ ذلكَ الطفلَ في داخلكَ، دعه يرشدك إلى الطريقِ فهو يعلمه أكثرَ منك. كن واثقاً أنه على حقٍ فليس لديه أي مصلحةٍ في اختياراته. لا تحاولْ أن تكبر، تفسيركَ للأشياءٍ وأنتَ صغيرٌ على بساطته هو الحقيقة، هو الروح النقيةٌ التي لم تغْرِها زينةُ الدنيا، روحٌ لا ترى من الأشياءِ سوى جمالها. 

         

لن تتهربَ من نظراتِ الحمقى بعدها، ممن يظنونَ أن الأمرٌ انتهى ويشيرونَ إليكَ بالحمقٍ أو السخف، ولن تتحاشى سخريةَ البائسين، أولئكَ الذينَ تنكروا لذواتهم وبقوا بلا هوية، وهم يحاولونَ بكلَ بؤسٍ طمس الحقيقةِ وإسكاتَ الضمائرَ الحيةَ لأنها تعكسُ صورتهم المشوهة، وتعري كذبَ مبادئهم وزيفها. ستجدُ نفسكَ، وقليلون من يجدونَ أنفسهم في وسطِ هذا الضياع، سيكونُ عندك ما تقاتلُ لأجله حتى إذا أنقضى أجلكَ وأنتَ تحاولُ فلا بأس، فهذه هي الحياةُ وقد عشتها وأنتَ مخلصٌ لنفسكَ ودينك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.