من الخرطوم إلى أديس أبابا.. رحلة في الذاكرة (2)

وسط تيارات هائلة من البشر والطبيعة الآنسة اتجهنا صوب الأراضي التاريخية للإمبراطورية الحبشية، على تخوم قُوندرْ كان الصليب الخشبي المتدلى من أعناق السمر وواجهات المباني والمحلات الشعار الأبرز لمدينة كانت عاصمة السياسة ومركز الدين طيلة قرنين ظلت المسيحية الهوية الأبرز لإثيوبيا بعدما باتت دين الحكام ومعتقد السلطة، واشتهرت المدينة بالقصور والكنائس والأديرة المرتبطة بالطقوس الروحية والعقائد الدينية وخاصة النصرانية التي دخلت إثيوبيا سنة 70م على يد رجل يهودي قيل أنه سافر إلى بيت المقدس ورجع إلى إثيوبيا بعد أن اعتنق المسيحية في رحاب الشام المنكوبة هذه الأيام بعنجهية المستبد وطمع الجار وطغيان القوى الإمبريالية.

القرى الأمهرية تصافح الجبال وتحاذى التلال الخضراء، المواقع الأثرية والدينية تسيطران على المشهد العام في تخوم بحيرة تانا التي كانت من أكبر معاقل يهود فلاشا "الغرباء" قبل رحيلهم إلى إسرائيل عبر صفقات سرية وعلنية وتفاهمات طبخ على نار هادئة. وصلت إلى بحر الدار العاصمة الإدارية لقومية أمهرا التي حكمت قبضة من حديد قبل الانقلاب الشيوعي لضباط الدرك عام 1974م الذين حكموا بدورهم البلاد بالاستبداد والإرهاب الأحمر إلى أن أطاحتهم الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية عام 1991م بقيادة الراحل مليس زيناوي ورفاقه.

في ليلة باردة ومليئة بالأمطار كان النوم مثل الذكريات مرت سريعة ولم أصحو إلا على أصوات السمراوات وهن يطبخن "أنجيرا" أو الطبق الإثيوبي الأشهر على الإطلاق
 

المنطقة غنية بالموارد الطبيعية، اقتربت إلى نقطة ساخنة مازال العالم يترقب أحداثها ويرصد تحركاتها بعد أن أصبحت وجبة دسمة للصحافة والسياسة، تدفقت علي وقائع الحاضر وخسائر الحروب عندما وصلت إلى منابع النيل، النهر الأكثر حضورا في أروقة السياسية والمال والعسكر بعد بناء إثيوبيا سد الألفية على بحيرة تانا. السد أثار زوبعة كبيرة كادت في لحظة من اللحظات أن تتطور إلى حرب ضروس مسرحه القرن الأفريقي المنكوب تاريخيا بسبب السياسة، أو الحدود الوهمية التي صنعها الأوروبيون لصالحهم، أو أفكار القادة ونزواتهم، أو بسبب الحروب الأيديولوجية بين الإسلام الزاحف من السواحل الشرقية وبين النصرانية المتقوقعة ما وراء الهضاب.

بعد رحلة برية مضنية دخلت إلى عمق بحر الدار المدهش، شهدت المدينة تحولات عميقة وجذرية من الناحية العمرانية والبنية التحتية، تماثيل متنوعة لشخصيات أسطورية وحقيقية، وحياة متناقضة مليئة بالانكسارات يوازيها قفزات كبيرة للاقتصاد حيث يعتبر اقتصاد إثيوبيا الأول إفريقيا و12 عالميا، المدينة شرقية آسرة وخزانة لتاريخ إثيوبيا التي أصبحت دولة محورية أفريقياً بعد القرن16م عندما وصل البرتغاليون إلى القرن الأفريقي كنجدة للإمبراطورية الحبشية الغارقة في التخلف والفقر والأمراض، وتعاني من الغارات المتواصلة من المسلمين الذين أنهكوا جسمها وقارعوها بالحديد والنار، وكان المسلمون بقيادة الأمراء والسلاطين بواسل يحملون شعلة التحدي والإصرار فمضو يفتحون الأمصار ويعمرون الأقطار وينشرون الإسلام حتى وصلوا إلى حدود كسلا السودانية، كانوا كالشهاب يضيئون الطريق ويحرقون الجهل ويحاربون الظلامية فاسّسوا المدن المقرونة بالحضارة والثقافة.

كنت أحث الخطى على رصيف الشارع أبحث عن فندق قبل أن يستبد الليل ظلامه في مدينة تعتبر معقلا للسرقة والاستغلال، وجدت فندقا في الأحياء المتوسطة للمدينة الضائعة بين السمرة الأفريقية والأصول الحامية المترسبة كما يقولون، إذ يرجع بعض الجينيالوجيون أصول الحبشة إلى قبيلة حبشات اليمنية التي هاجرت إلى القرن الأفريقي بعد انهيار سد مأرب، في تلك الليلة الباردة والمليئة بالأمطار كانت النوم مثل الذكريات مرت سريعة ولم أصحو إلا على أصوات السمراوات وهن يطبخن "أنجيرا" أو الطبق الإثيوبي الأشهر على الإطلاق.

بحيرة تانا (رويترز)

كانت المدينة كغيرها من المدن الإثيوبية تحتفل بصخب على "تحرير أفريقيا" حسب المزاج المحلي الذي يفتخر بعدم احتلال أثيوبيا وهزيمة الكولونيالية في ساحات الوغى! رغم أن الاستعمار روّج تاريخ الحبشة حتى أصبحت في المخيلة العالمية الدولة الوحيدة التي تملك ماض مشرف في المشرق الأفريقي، ويعتبر هذا ـ رغم عراقة إثيوبياـ تضليلا وإجحافا في حق الدول الواقعة على المنطقة والتي لها إرث ضارب في جذور الحضارة الإنسانية.

على بعد مئات الأميال من بحر الدار وقع صراع مرير بين الفاشية الإيطالية وأباطرة أباسينيا، وانتصرت الحبشة على إيطاليا في معركة سجلت التاريخ وأخلدت الذاكرة. ففي1مارس1896م وقعت معركة عدوة التي ضربت الحلم الإيطالي في مقتل بعد أن هزمته دولة أفريقية ومنحت السلطة المطلقة للإنجليز على سيطرة البحر الأحمر وشمال الصومال، لقد انهار الحلم الأوروبي الذي كان يرى أفريقيا أرضا مشاعا ومليئا بالخيرات والثروات والملاريا، والشعوب الأفريقية مجموعة من السود الكسالي وحفنة من العبيد.

جرت وقائع المعركة التي أربكت الطليان وأدت إلى استقالة فرانشسكو كريسبي الوزير الأول للحكومة الفاشية في إقليم تجراي الحاضن لحضارة أكسوم العريقة، ويبدو أن الإقليم قدر له أن يشهد ألم الصراعات حيث مثلث بادْمي الذي سبب سلسلة من الحروب النازفة بين إرتريا وإثيوبيا والتي انتهت بوساطة أفريقية جزائرية لا يبعد كثيرا عن تلك المنطقة الجبلية الوعرة.

في الصباح الباكر خرجت من الفندق نحو المقاهي الشعبية التي توزع الابتسامات العذبة والقهوة الحبشية المعبقة بالبخور والأنوثة والجودة العالية، جلست أمام غانية سمراء، كانت فاتنة المحيا قمحية اللون سريالية الملامح مشرقية الابتسامة والصليب يتدلى من عنقها، وأمام التأمل على تضاريس جسمها وملامحها البريئة احتسيت القهوة على عجل معزفا طبول الرحيل نحو التعمق في أدغال الحبشة.

غادرت المدينة الجميلة التي يشوهها فقر الأزقة وساكني الشوارع من المشردين والمجانين والمتسولين، ابتلعتن عذرية الطبيعة وفخامة ألحان الفنان الشعبي طلاهون قيسسي وقهر الإنسان أدماني، وعلى مشارف دبري ماركوس سهول خضراء وقمم تغطيها الضباب وأرض مكسوة برداء الاعشاب سقفها السحب والأفق، الجمال هنا لا يقاوم مدن متناثرة على جبين الهضاب وحقول مطلة على السفوح ومروج تزين المكان وتمنح المواطنين قوت يومهم خاصة وأن الحياة أصبحت صعبة لدى كثير من الشرائح في المجتمع الإثيوبي.

على ضفاف الجمال والمعاناة توغلت في الحس الغنائي والإنساني وأنا أراقب أمكنة تروي القصص بلا كلام والهروب الجماعي للبسطاء من الأرياف إلى المدن بحثا عن حياة كريمة باتت صعبة المنال

في جنبات الطريق حيوانات أليفة وطيور ومحميات طبيعية ووديان سحيقة، ومن اللافت للنظر أن المساجد بمآذنها العالية مطلة على الشوارع مما يضفي على النفس موجات روحية في عقر الديار الأرثوذكسية النائية. ورغم محاولة الغرب والبعثات التبشيرية وبعض الجهلة المنتسبين الى الإسلام تشويه سمعته ونيل شرفه والحدّ من انتشاره فإن انتشار الإسلام في أفريقيا يبشر بخير ويوحي بأنه سيعم جميع ربوع القارة المسلمة في السنوات القادمة بعدما وجد قبولا واسعا في الداخل الإفريقي وجنوبه ناهيك عن الشرق الذي وصل إليه الإسلام قبل وصوله إلى مدينة المنورة عبر البعثة المشرفة للصحابة رضوان الله عليهم الذين هاجروا إلى القرن الإفريقي في العهد المكي من الدعوة الإسلامية.

على ضفاف الجمال والمعاناة توغلت في الحس الغنائي والإنساني وأنا أراقب أمكنة تروي القصص بلا كلام والهروب الجماعي للبسطاء من الأرياف إلى المدن بحثا عن حياة كريمة باتت صعبة المنال. من بعيد وفوق تل رفيع راقتني مدرسة بسيطة المظهر عظيمة الأثر، المدرسة هنا ـ رغم محدوديتهاـ تقدم خدمة جليلة للأطفال الذين يقطعون أميالا من أجل العلم والتحصيل، كم كان المنظر مبهرا عندما رأيت الطابور المدرسي والبراعم يرددون الاناشيد في جو طلابي تحيطه البراءة والحيوية.

في وسط النقاء وهدير العربة التي تطلق عجيجا كلما اعترتنا هضبة أو صعدنا جبلا في طول الطريق أخذتنا يد الجمال إلى أديس أبابا والأماكن التاريخية لمدينة ظلت عاصمة للإثيوبيين قبل أن تصبح عاصمة للأفارقة منذ عقود.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة