معيار توظيف

لم تكن عيناي قد تفتحت على حقائق كثيرة رغم تقدم العمر بي، حتى استمعت لأحدهم يتحدث عن سياسات التوظيف وكيفية اختيار الموظف الأفضل.. ذلك الذي فاجأني عندما قال: "لازم تتأكد أنو WELL RAISED"، وتابع سريعا: "لا أقصد أن يكون ذا خلق جيد فحسب، بل يجب التأكد من المكان الذي ترعرع فيه، لا بل وحتى المدرسة التي درس فيها". ثم استسهب في الحديث مفرقا بين من أخرجته مدرسة خاصة عن حكومية، وذلك الذي حصل على تعليمه من جامعة محلية عن ذلك الذي تكبد الآلاف المؤلفة في جامعات الدول المتقدمة.

كنت أظنها نظرة شخصية لا يعدو أثرها أن يكون أكثر من زوبعة في فنجان، إلا أنني اصطدمت بواقع مرير؛ في أنها وجهة يتبناها معظم اصحاب القرار في إشغال الوظائف. الآن فقط، فهمت أولئك الذين يشترطون تعبئة اسم المدرسة في طلبات التوظيف. فهمت لماذا نجد أن الوظائف في بعض المؤسسات حكر على أبناء طبقة بحد ذاتها. وأن أولئك الذين يجتهدون في تطوير أنفسهم مهما ارتقوا فإن لهم حدا لا يستطيعون القفز عنه مهما فعلوا.

في الوقت الذي تزدهر أمم حد التفوق بنتاج مشاريعها الصغيرة؛ نتوغل نحن في الانجذاب نحو الأسماء الكبرى والمولات الضخمة حتى يضمحل كل استثمار صغير كان قد بدأ يرى نور الشمس، وفي الوقت الذي يخرج أشهر لاعبي كرة القدم من الأزقة الفقيرة في غرب كرتنا الأرضية، نوغل نحن في طمس كل شمعة قد تكون يوما نبراسا منيرا، ونسدل الستار على درر مكنونة في أزقتنا ونوصد الباب أمام عقول نيرة ذنبها أنها قد وارتها طاقية مجهولة الماركة.

ظلمٌ ما سيكتنف أجيالنا القادمة إن أوغلنا في التفرقة بين تعليم ذوي الجيوب الممتلئة من جهة وذوي الجيوب الفارغة من جهة أخرى. وأعوذ بالله من أن تقتل طاقات فذة وتكبت جهود خلاقة

هي ليست نظرة متشائمة، هو واقع صار يجب أن نعترض عليه وأن نجابهه، وهي ظاهرة بدأت تفتك بطاقاتنا وتكبل اجتهاد شبابنا، ألا يكفي ما حقنته الواسطة والمحسوبية في كوادرنا وما تركته من سموم تشل الإبداع في عروق أجيالنا. أليس حري بنا أن نعطي جهودا أكبر لتحقيق تكافؤ الفرص والنظر بعين المجهر بحثا عن مواردنا. أليس قسم الموارد البشرية (المفترض وجوده في كل منشأة) معني بتحديد نقاط الضعف في كل موظف وتطويره حتى يزيد مهاراته توهجا ويكمل ما بها من نقص؟

ما ذنب فقيرنا الذي حرم نفسه من أبسط مقومات الحياة كي يمنح فلذة كبده شهادة جامعية تكون نهايتها حائط البطالة أو حتى راتبا متواضعا في منشأة متواضعة؟ ما ذنب أولئك الذين وصلوا نهارهم الجامعي بليلهم في صفوف العمل طامحين بمستقبل باهر؟ ما ذنب تلك التي ضاق صدرها من ضيق الموارد وكافحت كل التحديات لتخرج لنا شمعة من شموع التفوق والأخلاق والأمل وقبل كل أولئك الإبداع؟ أولئك الذين ضيقوا نطاق العينة أثناء مسحهم باحثين عن الموظف الأمثل، افترضوا جزافا أن الأخلاق حكرعلى فئة محددة، وأن الفكر الراقي والأسلوب المحنك حسرة في غيرها. تناسوا أنهم بأيديهم يضربون تماسك المجتمع في الصميم ويقسمون طبقاته ويفصلونها تماما عن بعضها، بل والأهم؛ يضيعون على وطننا الكثير، ضاربين عرض الحائط أن معظم أوائل الجامعات وأوائل الثانوية العامة هم نتاج المدارس الحكومية.

إلى متى سيدفع فقيرنا ثمن فقره، وعصاميونا ثمن كفاحهم، ألا يكفيهم ما تحملوه من ترهل في الأنظمة التعليمية والتسوس الذي نخر أجساد مؤسساتنا التربوية؟ 

في حبك يا وطني أختم قولي، وأدعو أن ترتقي بنا الصحوة لإعادة النظر في أنظمتنا التعليمية، وأدعو إلى تطويرها لتنافس الأنظمة الخاصة المحلية والدولية منها، وأشير إلى أن ظلما ما سيكتنف أجيالنا القادمة إن أوغلنا في التفرقة بين تعليم ذوي الجيوب الممتلئة من جهة وذوي الجيوب الفارغة من جهة أخرى. وأعوذ بالله من أن تقتل طاقات فذة وتكبت جهود خلاقة بين صفوف أولئك الذين لم يحالفهم الحظ بأن يكونوا "WELL RAISED".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ملأت المنظمات التعليمية الأهلية الفراغ الذي تركه سقوط الحكومة المركزية في الصومال عام 1991. ويعد قطاع التعليم في الصومال من القطاعات والمجالات القليلة التي صمدت بوجه الحروب والظروف الصعبة للبلاد.

تطرق مركز الدراسات والإعلام التربوي اليمني بتقريره السنوي "أنقذوا التعليم في اليمن" الصادر بأغسطس/آب 2017 لارتفاع أعداد الأطفال خارج التعليم ليصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين. الإنفوغراف يعرض معطيات التقرير.

في العام الفائت، أنشئ "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر" لسد فجوة التمويل عند وقوع الكوارث. وكان ذلك مشجعا وحظي بدعم أممي. لكن الحقيقة هي أن التمويل لم يواكب الاحتياج.

الأكثر قراءة