مثقفة.. ولكنها لا تجيد الطبخ!

لا تزال المرأة في هذا العصر، رغم التطور الذي نشهده في جميع المجالات، تعاني من إشكالية الأحكام المسبقة التي تلقى عليها، فتساهم كثيرا في الحد من قدراتها وإمكاناتها وكذلك طريقتها في عيش حياتها، بتكبيلها بتلك التوقعات التي لا تقاس على مقاسها، ولا تناسبها البتة. فيحدث أن تتجه المرأة للعمل، عكس رغبتها، فقط لأنه من المتوقع لها أن تفعل ذلك، ولأنها تقيس مدى نجاحها بإنتاجها في العمل، بينما ما هو سوى جزء طفيف من حياة الفرد وليس مقياسا صحيا لحياته.

وهذا ما يدركه متأخرين مدمنو العمل وكثيرون ممن أفنوا حياتهم فيه، خصوصا المرأة، التي تجد أنها قد وصلت التقاعد، لتعود إلى بيت تفتقد فيه دفء العائلة والأولاد، وخصوصا لكون الأمر باختيارها، لأنها ركزت على جانب واحد من حياتها، أو أن يحدث الأسوأ، فتجدها مهملة لأطفالها وبيتها، فيحال مكان السكن جحيما على الأرض، وتمضي أيامها تعض أناملها حسرة على الوقت الذي أمضته في العمل، أين تم استبدالها، تماما كعجلة مثقوبة. 

على الجهة المقابلة، تلك المرأة، التي تم إقناعها بأن المنزل الخيار الأمثل، وأن الدين و الأعراف والمجتمع أمروا المرأة بالمكوث في البيت، لمصلحتها طبعا، وأن دراستها في الجامعة فتنة لها وحياد كبير..الخ.

بداية، كل ما ذكرناه وسنذكره، ملخص لمواقف وأحداث حقيقية، فحتى في بعض العائلات، التي تجد الأب والأخ والزوج، أعضاء في منظمات وجمعيات ونوادي وجامعات مختلطة، يقضون وقتهم يناقشون ويثنون على زميلاتهم في العمل وكفاءتهن، وينادون بحرية المرأة وعملها، ليعودوا في الأخير إلى النقيض تحت سقفهم الخاص، مؤمنين بأن المرأة لا يجدر أن تخرج إلا للضرورة القصوى.
تم إقناع المرأة أن الدين والأخلاق الفاضلة تدعو إلى أن سترتها في جلبابها فالحلوى المغلفة أفضل من المكشوفة، ولأنها جوهرة لا بد لها أن تختبئ تحت كل تلك الملابس

فتجد المرأة نفسها ملكة في سجن بناه لها وليّها، فلا تخرج ولا تلتقي الناس، عدا جاراتها. ووضع إنسان في هذه الظروف لا بد أن يحيله إلى التفاهة والسطحية، فالشخص الذي لا يخالط الناس ولا يكون اجتماعيا، ولا يدرك إتيكيت التعاملات ولا جديد العالم، ويصاحب أناسا لا همّ لهم سوى اقتفاء أخبار الناس وماذا اقتنى فلان لزوجته، ولا يشاهد سوى المسلسلات، لا بد له أن يسقط في مستنقع السطحية، ولا أسوأ من رجل مثقف يعود إلى زوجته لترهق كاهله بأحاديثها التافهة، وأن يناقشها في العلوم والسياسة وهي لا تفهمه، ولا عجب من أنه يتجه لزميلته المثقفة في العمل ليناقشها، وهو نفسه الذي لن يتجرأ يوما على دعوة زوجته تلك إلى عشاء عمل، لأنه يعرف جيدا كيف ستحرج نفسها. وهذا كله بسبب الفراغ، الأشبه بثقب أسود يجتذب إليه كل شيء، وبمجرد اقترابك من مجاله، من الصعب أن تسحب نفسك من براثنه.

من الأحكام التي تلقى على المرأة أيضا، وضع مقياس لأخلاقها وربطه بملابسها، وهذا للتوقعات التي يضعها الناس من حولها، فمن جهة تضع المرأة جلبابا تلقيه على وجهها، لأنه تم إقناعها بأن الدين والأخلاق الفاضلة تدعو لذلك، بأن سترتها في جلبابها فالحلوى المغلفة أفضل من المكشوفة، ولأنها جوهرة لا بد لها أن تختبئ تحت كل تلك الملابس، فتجدها تتخلى عن العديد من هواياتها وحتى أمور مهمة أو تحبها بسبب ذلك، وما أكثر ما تتعرض له من إساءات و مضايقات بسبب غطاء وجهها، إضافة لحياة اجتماعية شبه معزولة، وكثيرا ما نسمع خلافاتها من الأساتذة الذين يرفضون مناقشتها أو التعامل معها، أو عن الإداريين الذين منعوا استخراج وثائق لها أو منعوها من الدخول إلى مؤسسة لرفضها إظهار وجهها، والقليلون الآن يفضلون التعامل مع شخص يغطي وجهه، ليس بسبب الأحكام المسبقة فقط، بل بسبب حقيقة صعوبة التعامل مع من يخفي وجهه على العموم.

التوازن هو الذي يخلص المرأة من قيود المجتمع ومواقفه المتطرفة، فهي تعرف أنه مهما كانت وضعيتها، عاملة أو ماكثة في البيت، لن يوثر الأمر على قدراتها وشخصيتها المميزة

في المقابل، المرأة التي ترفض الحجاب أو السترة على العموم، لأن مجتمعها أو الحيز الذي تعيش فيه، ربط الحجاب بالتخلف، وإعاقة المسار المهني، حتى وإن كانت المرأة بطبيعتها تحب العفة، ولا ترضى بالنظرات الشهوانية التي توجه إليها، دون أن نتحدث عن التحرشات المستمرة التي تتعرض لها في الدراسة أو العمل، والتي يحدث لها أن تدمر مستقبلها لأنها رفضت الانصياع لها. وكذلك رفضها أحد فرائض الدين، ونظرة الكثيرين على أنها مجردة من الأخلاق ..الخ، حتى وإن كانت متخلقة جدا.

ويحدث أيضا، أن تربط ثقافة المرأة أو مزاولتها دراستها أو عملها بعدم إجادتها للطبخ، فكثيرا ما تسمع تلك الجملة المشهورة: "نعم مثقفة ولكنها حتما لا تجيد الطبخ"، وهنا افترضوا أن المرأة القارئة تقضي يومها في التهام الكتب والبحث عن المقالات، فهي بذلك لا تجيد أي أمر من الأمور الأخرى، خصوصا الأنثوية منها، وهنا يأتي جانب أخر أكثر سوءا مما سبقه، وهو ربط جمال المرأة بذكائها، وما أكثر الأحكام التي تلقى على المرأة الجميلة كالغباء أو سطحيتها أو أنها لا تملك كفاءة مناسبة في العمل.. الخ، فتجد مشكلة في التعامل باحترافية مع شركاء العمل، الذين لا ينظرون أبعد من وجهها، فتعامل على أساس أنها امرأة وفقط، حتى وإن كانت منافسا لا يستهان به في المجال أو شخصا له قيمته الفكرية و الإنتاجية في العمل.

كل جانب مما سبق يشكل جانبا من حياة المرأة، حيث أن التي تركز عليه وتهمل البقية، فتسقط في تأنيب النفس، وعدم الرضا، بسبب الأحكام التي تدعها تحدد شخصيتها، والتي يضعها أشخاص ليسوا على ذلك القدر من العلم أو الحكمة.

فالمرأة العاملة باستطاعتها تقسيم وقتها وإدارة حياتها والاهتمام بأولادها وتربيتهم تربية ممتازة، وكذلك المحافظة على أخلاقها وشرفها، والمرأة الماكثة في البيت، بإمكانها القراءة والاطلاع على الجديد، وممارسة الرياضة والهوايات التي تشغلها، كما أن المرأة المحجبة يمكن لها أن تمارس هواياتها وتعيش كما تهوى، لأنها تعلم أن الدين يهدف لأن تعيش حياتا متوافقة ومسالمة وسعيدة، وأن الحجاب أحكام وأخلاق قبل أن يكون شكلا معينا.

إن السر هنا يمكن في التوازن، ذلك الذي يجعل المرأة راضية عن حياتها مهما كان شكلها، بأن تدرك أن لها القدرة على مزج أجزائها كما تريده، شرط الوصول إلى نتيجة واحدة وهي سعادتها، التوازن هو الذي يخلصها من قيود المجتمع ومواقفه المتطرفة، فهي تعرف أنه مهما كانت وضعيتها، عاملة أو ماكثة في البيت، لن يوثر الأمر على قدراتها وشخصيتها المميزة، وتعلم أيضا أنه مهما كان ما ترتدي فأخلاقها وعفتها محفوظتان، وأن ملابسها وحجابها لن يقفا يوما عائقا نحو نجاحها أو ممارسة هواياتها أو مسارها المهني، وهي تعلم كذلك أنه بإمكانها أن تكون ذكية وجميلة في نفس الوقت، وأنها مثقفة ولكنها تجيد الطبخ !



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توصلت دراسة حديثة إلى أن الدورة الشهرية لا تؤثر على دماغ المرأة، خلافا لما يزعمه البعض من أن الحيض يقلل قدرتها على التفكير بوضوح.

شهدت المكاسب القانونية للمرأة التونسية بعد الاستقلال تطورا مستمرا، ترسخ بإقرار دستور جديد للبلاد إثر الثورة وقانون القضاء على العنف ضد المرأة الذي أقر مؤخرا، لكن لا تزال ثمة مطالبات.

الأكثر قراءة