طفلة.. ووصفة تفتح البشرة!

ربما يكون العنوان غريب بعض الشيء، أو ربما هناك فارق عمري وفكري بين شقيّ العنوان، لكنه مستنبطٌ من طفلة لم تتجاوز الثامنة من عمرها، مع الرحلات الصيفية والأجواء الحارة تغير لون وجهها، وبكل بساطة وكأنه فعل فطري بحثت في الإنترنت من هاتف والدتها عن وصفات تفتيح البشرة، لتقوم بعدها بتجربة الخيار واللبن وغيره كي يعود وجهها للونه الطبيعي!

      

استهجنتُ التصرف في بادئ الأمر، إنها طفلة كيف لها أن تفكر في جمالها من هذا العمر، بل كيف عرفت الوسيلة التي تبحث من خلالها على مقومات الحفاظ على الجمال وكيف صاغت جملة البحث. ربما كان استهجاني مقرونًا بشريط ذكرياتي ماذا كنت أفعل عندما كنت في عمرها؟ ثمان سنوات؟ لا أدري لكن الذي أتذكره أن ما يصاغ تحت بنود الجمال والعناية بالبشرة وغيرها كان في حياتي في وقت متأخر جدا لتأتي هذه الطفلة في بداية حياتها بهذا التفكير. لست أعارض ما قامت به، لكن ما قامت به يحمل الكثير من المعاني التربوية التي يجب أن نستدركها في هذه الأجيال اللطيفة.

          

استهجاننا من كيفية تعامل أطفالنا مع الهواتف الذكية وآخر التكنولوجيا ما هو إلا شيء من غفلة عن طبيعة الأطفال وطبيعة ما كنا عليه يومًا مثلهم لكن بأشكال أخرى، هل يستذكر أحدنا عندما كان صغيرا يستخدم الهاتف السلكي وكأنه يحادث صديقه، ينصت تارة ويقهقه ضحكا تارة أخرى، في ذلك الوقت كان أهالينا ينظرون لنا نظرة استغراب ثم ينعتوننا كما ننعت أبناءنا نحن اليوم بـ (جيل آخر زمن) فهنا ببساطة تعلّم أبناؤنا هذه الأشياء بالقدوة وبالمشاهدة.

               

الأجهزة الذكية تزيد من ذكاء الطفل إذا تم استخدامها بالشكل الصحيح وبأوقات صحيحة لا تؤثر على حواسه كالسمع والبصر، ولا تؤثر على خلايا دماغه فتسبب له ضمورًا في بعضها! وإن استعمالها مع أسس التربية الصحيحة والقوية سيعطي فارقًا في إنجاز وتقدم الأطفال فكريا ونفسيًا
       

إننا لم نع بعد أن لتربية الأطفال أبعاد أعمق بكثير من المأكل والمشرب والمسكن، بل إن ما سبق يُعد رعاية وليس تربية، وحتى لو كنت تمتلك حيوانًا أليفًا لقدمت له هذه الأشياء، أما التربية فشيء آخر. شيء أعمق وأخطر مما نتصوره خاصة في عصرنا هذا، تربية يجب أن تمارس وتتم إدارتها بأشكال مختلفة، لأننا نعيش في عصرٍ الاستثناءات فيه أكثر من القواعد نفسها، والانفتاحات تتوالى، فلم يعد انغلاق الطفل في المنزل وسيلة عزلة، بل ربما تكون أفضل وسيلة له للانطلاق نحو عالم وتفكير ذو حدين.

       

من فترة قصيرة ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي صورة مارك مؤسس الفيسبوك وهو يقرأ لابنته ذات الأشهر الأولى من عمرها كتابًا في الفيزياء، كتاب يبسط الفيزياء للأطفال في حين تساءل الكثير طفلة بأشهر ماذا سوف تعي؟ وفي اعتقادي أن ما مارسه مارك وقتها هو تربية الباطن، هو تهيئة العقل الباطن للطفل بأشياء تنفعه مستقبلا، الباطن منذ أن يكون الطفل في بطن أمه، منذ أن تبدأ خلاياه بصنع ذكرياتها التي ستؤثر غدًا على نفسيّته وتفكيره وتربيته.

          

عودة للطفلة وبحثها عن وصفة تفتيح البشرة، إلى أي مدى نسعى أن تكون الأجهزة الذكية بتطبيقاتها وبكل ما قد يصل إليه أبناؤنا عبر الإنترنت أن تكون هذه الأشياء ضمن تفكيرنا التربوي لأبنائنا، وأن لا يقتصر دور هذه الأجهزة هي للترفيه ببعض أفلام الكرتون وتطبيقات الألعاب فقط أو لإلهاء الأطفال عن والديهم كي يقوموا هم بأعمال أخرى يعتقدون انها أهم من التدقيق فيما يشاهدون. ما مقدار ما تستطيع أن تحجبه من محتوى الإنترنت عن أطفالك بتخصيص قوائم العرض وغيرها، ماذا لو بحثت طفلتك عن شيء آخر غير وصفة تفتيح البشرة؟ ماذا لو وقع أبناؤنا على معلومات نؤجل نحن إخبارهم بها حتى يتقدموا قليلا في العمر كيف يستوعبوا فحواها؟ متى وكيف وإلى أي مدى يستطيع الوالدان التحكم في حرية أبناءهم على هذه الأجهزة، وهل تقييدهم بأوقات معينة وأسلوب معين أثناء مشاهدتهم أو لعبهم يعتبر انتهاكا لحريّتهم وشيء قد يجعلهم تحت ما يسمى ب (كل ممنوع مرغوب)؟ كثيرة هي المعطيات حول اهتمام الوالدان فعليا بأن تكون الأجهزة الالكترونية وما تحتويها هي وسيلة قوية تزيد من قوة تربيتهم لأبنائهم، أو أن يكون العكس من ذلك.

                

لندع اطفالنا يبحثون، يكتشفون، ويحققوا في الحقائق حولهم، لكن لنرسم لهم المسارات على أن لا تكون صريحة بالنسبة لهم، لكن تكون واضحة بالنسبة لنا ثم نرى النتائج بعدها.
          

وفي نظري إن الأجهزة الذكية تزيد من ذكاء الطفل إذا تم استخدامها بالشكل الصحيح وبأوقات صحيحة لا تؤثر على حواسه كالسمع والبصر، ولا تؤثر على خلايا دماغه فتسبب له ضمورًا في بعضها! وإن استعمالها مع أسس التربية الصحيحة والقوية سيعطي فارقًا في إنجاز وتقدم الأطفال فكريا ونفسيًا، أما إذا عوّلنا على الأجهزة لوحدها فإنا سنحدث فارقًا في تفكير الأطفال لكن للوراء، وأما إذا اعتمدنا الأنظمة التربوية البعيدة عن آخر التطورات والأجهزة الذكية فإنا بذلك نكون قد وأدنا أبناءنا وقتلناهم وهم أحياء.

           

كل والدين أقدر وأجدر بالتفكير كيف يجب أن يتعاملوا مع أبنائهم، كيف يرسخوا القيم الجميلة التي تربينا علينا في المعاملات وغيرها، هما الأقدر على ترتيب أوقات الطفل بما ينسجم مع تفكيرهما التربوي تجاهه، أما إذا تركت الأمور تجري وحدها فلن نحصد سوى أن نجري وراء أبناءنا وقد انفلتوا من حدود تربيتنا وقيمنا وأهدافنا. لندع اطفالنا يبحثون، يكتشفون، ويحققوا في الحقائق حولهم، لكن لنرسم لهم المسارات على أن لا تكون صريحة بالنسبة لهم، لكن تكون واضحة بالنسبة لنا ثم نرى النتائج بعدها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

كيف تعرف أن ابنك يعاني من تأخر النطق؟ وما تأثير وسائل الميديا الحديثة كاللابتوب والأجهزة الذكية عليه؟ هذه الأسئلة وغيرها أجابت عليها عيادة الجزيرة في حلقة تجاوز وصولها المليون.

الأكثر قراءة