سيكولوجية العبادات في فكر وائل حلاق

في مدخل فريد يتناول وائل حلاق في كتابه الدولة المستحيلة كيف أن العبادات جزء أساسي من القانون، أي تعد الفرد المسلم لكي يلتزم بالقانون، بمعنى رؤية هذه الممارسات الشعائرية باعتبارها تمثل شبكة من العلاقات وثيقة الصلة بالأجزاء القانونية على وجه الدقة، أي أن العبادات أساسية فيما هو قانوني، مما يجعل للشريعة ميزة عظيمة هي قوة القانون الأخلاقية.

ولذا يرى أنه ليس من قبيل الصدفة أن أبواب أركان الإسلام مع باب الطهارة هي الأبواب الافتتاحية للمصنفات القانونية حيث شغلت ما مقداره ربع حجم هذه المصنفات ولم يكن ذلك دالا على الأهمية الرمزية والأولوية فحسب بل كانت له وظيفة جعلت مجموعة الشعائر تلك متقدمة منطقيا ووظيفيا وهذه الوظيفة غير شعورية ومنهجية ونفسية على نحو عميق تضع أسس تحقيق الالتزام الطوعي لما يأتي من قانون.

 

نستعرض سيكولوجية العبادات في السطور القادمة كما أوضحها وائل حلاق في كتابه الدولة المستحيلة:

1- الطهارة والصلاة

الطهارة هي مفتاح الصلاة وهي لا تقتصر على جسد المؤمن بل تمتد لتشمل ثيابه والمكان الذي ينوي الصلاة فيه بالإضافة إلى الماء نفسه المستخدم فيها وهي تشكل نظاما متكاملا من العمل الذي يعد المؤمن لتحقيق فعل الصلاة ويمرن ذاته الداخلية وجسده بطريقة منهجية ويكون هذا التمرين الذي يتكرر في كامل الحياة مشبعا بما هو روحاني ونفسي إذا نظرنا إليه من حيث غايته النهائية. والشرط الأهم لصحة الوضوء كما في أشكال العبادة كلها هو النية ذات الأهمية البالغة ويجب أن يكون للمتعبد نية الطهارة عندما يشرع في الوضوء والنية محلها القلب أداة التفكير العقلي ومستقر العقل.

 

والنية التي تعمل على مستوى نفسي عميق هي حالة داخلية يعطي وجودها لكل عمل من أعمال العبادة هويته ويفصله عن الأعمال المماثلة التي لا تنتمي إلى فئة العبادة مثل غسل الوجه فقد يكون غسل الوجه عملا من أعمال الوضوء أو عملا دنيويا يهدف إلى الانتعاش وتمثل النية وعيا بالعمل الفردي وثقة في كونه تحقيقا لغرض معين مصنف بالكامل كعمل تعبدي وهكذا يعتبر توافر النية في الأعمال العبادية المتكررة ضمانا لعدم القيام بالفعل كأداء جسدي ألي يفتقر إلى المحتوى بل كفعل يغرس في العقل والروح وفي الملكات العقلية والشعورية لدى كل أداء كأنه يؤدى كل مرة لأول مرة ولذا اهتم الفقهاء بالنية لأنها روح العمل ولبه وقوامه وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها. والنية تفترض الحب وبقدر ما تجب محبة الله يجب أن تحب الأعمال المقصود بها فأفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبها بقلبه وباشرها بجسده وتفرغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر.

 

لندخل في الصلاة التي تمثل بأوضاعها الجسدية المتتابعة خضوعا لسلطة أعلى في حين تمثل بتلاواتها ودعاءاتها واستعاذاتها الحاجة إلى رضا هذه السلطة وغبطتها بأعمال المؤمن وسلوكه. ولن نعيد الكلام عن النية باعتبارها عنصرا في الصلاة وشرطا لصحتها مطلوبة لتأكيد وعي المرء بوجوب العمل ولإعلان الصلاة التي ينوي أن يؤديها بين الصلوات الخمس. لتبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام التي تشتمل على الإعلان بأن الله أكبر والتي تسعى لتذكير المصلي بعظمة هذه العبادة وسمو وعلو مكانة من يقصد بها.

 

الصلاة تسعى لإنشاء رابطة وقربى معينة بين المصلي والله لذا فهي أعظم الأعمال الدينية بعد الشهادتين فهي الشعيرة الوحيدة المصاحبة للمؤمن باستمرار نظرا لواجب تأديتها خمس مرات يوميا

ومن المندوب أن يقرأ المصلي دعاء الاستفتاح حيث يعلن عقيدته التوحيدية وولاءه للإله الواحد الأحد وقد يتبع ذلك التعوذ وهو الاستجارة بالله من الشيطان الرجيم الذي يمثل كل الشهوات لفعل ما هو غير أخلاقي وهنا وبعد كل ركوع وسجود تقرأ الفاتحة وتتبع بالتأمين المهيب أمين ويستحب قبل الركوع أن يقرأ المؤمن أيات من القرآن ثم يتطلب الركوع النزول بالقدر المطلوب لوضع اليد على الركبة ويتبع ذلك طمأنينة وتسبيح عند الوقوف ويجب أن يكون وضع الجسم قائما تماما حتى يتميز من الركوع وإذا تحقق الوضع القائم فهو بغرض إظهار هوية فعل السجود لإبرازه كلغة جسدية تمثل الطاعة والخضوع والتواضع فكلما زادت استقامة الجسم زادت عملية الركوع والسجود وضوحا وزاد التواضع برهانه وإطلاقه.

 

يتطلب السجود ملامسة الجبهة للأرض والطمأنينة في هذا الوضع برهة لتأكيد هوية الفعل كفعل خضوع ولكي يكون السجود صحيحا يجب أن تكون الرأس في مستوى أقل انخفاضا من أسفل الظهر وهو وضع يسعى إلى زيادة التواضع وبصورة مجازية يمنع هذا الوضع إمكان اللقاء بين عيني المصلي ومن يسجد له.

 

الصلاة تسعى لإنشاء رابطة وقربى معينة بين المصلي والله لذا فهي أعظم الأعمال الدينية بعد الشهادتين فهي الشعيرة الوحيدة المصاحبة للمؤمن باستمرار نظرا لواجب تأديتها خمس مرات يوميا في كامل حياة المؤمن فالصلاة تفوق في الأهمية جميع الفروض الأخرى فالشهادتان والحج مطلوبان مرة واحدة في العمر، والصوم أثناء شهر رمضان والزكاة مرة في العام.

 

2- الزكاة

الزكاة هي إحدى أهم وسائل العدالة الاجتماعية فهي تعني حرفيا النماء والبركة فهي تحمل معنى موسعا ألا وهو دفع بعض من نماء ملكية المرء بغرض تزكيتها أو تطهيرها
 

إن الصلاة التي تقتصر على مجالي الجسد والروح لا يمتد غرسها الأخلاقي إلى جميع الجوانب الحيوية من عالم المؤمن المادي والاجتماعي والنفسي ومن هنا تأتي ضرورة فرض أركان أخرى من أكثرها أهمية الزكاة التي تأتي مباشرة عقب الصلاة حسب ترتيب القرآن. فمن بين كل فروع الشريعة تنفرد الزكاة بطبيعة ثنائية فهي عبادة دينية أساسية من جهة كما أنها تعمل كمجال قانوني موضوعي باعتبارها قانون الضرائب من جهة أخرى.

 

الزكاة هي إحدى أهم وسائل العدالة الاجتماعية فهي تعني حرفيا النماء والبركة فهي تحمل معنى موسعا ألا وهو دفع بعض من نماء ملكية المرء بغرض تزكيتها أو تطهيرها. فالزكاة بمعنى أول هي المعادل المالي /المادي للطهارة وكما يزيل الاغتسال النجاسة تزيل الزكاة الأصر الأخلاقي الذي يصاحب كنز الثروة وبعبارة أخرى وللتعبير عن قاعدة إسلامية مهمة قد يكون الثراء أصرا أخلاقيا محتملا يحتاج إلى غفران ووسيلة هذا الغفران اقتسام الثروة مع ذوي الحاجة. ولا يعتبر اقتسام زيادة الثروة مع المستحقين الذين حددهم القرآن وسيلة للتطهير فحسب بل يعكس أيضا من بين أشياء أخرى الاعتقاد بأن كل الأشياء في النهاية هي لله وأن المسلمين هم الأمناء على الثروة الدنيوية والمسئولين عن كيفية إنفاقها فكنز المال يؤدي إلى الإدانة الإلهية والعقاب الأبدي في الآخرة.

 

يجب أن تصاحب الزكاة النية حتى تصح وترسم أهمية النية الواجبة خطا سميكا يفصل بين الأداء الطوعي الإرادي لوجه الله من ناحية والإكراه المصاحب لما يمكن أن نطلق عليه اسم الضرائب العلمانية من ناحية أخرى، لكي تمنع النية إحساس الفاعل بالفرض الواجب. تمثل الزكاة في بعد مهم منها امتدادا للصلاة ودعما لها في الوقت نفسه ففي حين تتعلق الصلاة بالنفس والجسد تتجاوز الزكاة حدود التكوين الفسيولوجي المباشرة مولدة مسئولية أخلاقية إزاء المجال الذي يقع أبعد من الذات فليس الجسد فحسب من يجري إخضاعه بل أيضا المجال المادي الذي يقع تحت حكمه ولذا لا يعتبر فرض الزكاة على الثروة مجرد دليل عملي على المسئولية الاجتماعية بل أيضا وسيلة غير مباشرة لضمان الخضوع الجسدي الكامل.

 

3- الصيام

للصوم أغراض عدة تهدف جميعها إلى تدريب النفس على اكتساب الرحمة والانضباط والشكر للخالق والمخلوق والتزود من هذه الأمور
 

بينما تهدف الزكاة إلى ترويض البدن باقتطاع تلك الثروة المادية التي تتحقق عبرها اللذة الجسدية فإن الصيام يتعلق ببدن المؤمن نفسه على مستوى آخر من الاقتطاع، فالصيام ضريبة على لحم المؤمن وبدنه وعلى القوت الذي يقيم صلبه وهذا المعنى لضريبة الجسد يبرز جليا في حقيقة كون الصيام يؤدي أدوارا أخرى مهمة ككفارة أو وسيلة استغفار. والنية ضرورية لصحته خلال شهر رمضان أو أي صيام تطوع ويجب دوام النية حتى نهاية الصيام والفشل في استمرار النية ولو لبرهة قصيرة يبطل الصوم وكون النية تؤدي هنا دورا نفسيا مهما بقدر أهميته في الصلاة لا يحتاج إلى مزيد من التعليق.

 

لتأتي زكاة الفطر بعد شهر رمضان لتكمل هذه التضحية من حيث الولاية على الجسد حيث تنشأ صلة روحية مادية بين الفرد الصائم المكلف بضريبة الجسد والمجتمع الذي يعيش فيه حيث أن حرمان المرء نفسه من الملذات الجسدية يكون هو مساهمته في الملذات الجسدية للآخرين فالطعام الذي لا يقربه يقتات به من يحتاج إليه.

 

يعبر الصوم عن الالتزام الاجتماعي بقدر كونه تحكما في الشهوات الجنسية وبقدر ما يسعى الزواج إلى الحد من الزنا يوفر الإمساك عن الجنس مادة التدريب النفسي للروح والجسد على الامتناع عن فعل الزنا القبيح والمجرم شرعا، لذلك يمثل الصيام ذروة الأمر لأنه كشعيرة اجتماعية شديدة الفاعلية يوفر نفسيا وبصورة قوية أساس المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية بل ويشكلها أيضا.

 

للصوم أغراض عدة تهدف جميعها إلى تدريب النفس على اكتساب الرحمة والانضباط والشكر للخالق والمخلوق والتزود من هذه الأمور. فالإحساس بالجوع والعطش من خلال الصيام يكبح النفس ويروض الجسد على التحكم في الرغبات الجسدية والعقلية كما أنه يعلم الرحمة بالضعفاء الذين يمثل الجوع جزءا أساسيا من حياتهم لذلك فإن الزكاة تسعى لإتمام الصوم إذ أن منطق الزكاة لا يتكشف ويفهم إلا من خلال الصوم كما أن الخبرة الفعلية بالجوع والعطش تمثل تذكيرا قويا بنعم الله علينا وبالوجود السخي الذي خلقه لنا فهي إذا وسيلة لشكر الرب المنعم وهكذا يصبح الصوم علة أخرى للزكاة ولكن ليست بالنسبة للفقراء بل بالنسبة إلى العالم المادي المحيط بنا والفطرة نفسها التي طبعتنا علي ما نحن عليه فالامتناع عن الجنس وملذاته لا يعلمنا التحكم في النفس فحسب بل أيضا تقدير هذه الفطرة حق قدرها.

 

٤- الحج

فريضة الحج  (رويترز)

كما هو الحال في القواعد الخاصة بالأركان الأخرى فإن قواعد الحج مركبة وممتلئة بالتفاصيل الدقيقة ولكن منطق هذا التعقيد الفقهي والممارسات الخطابية والفعلية التي يشملها الحج يبقى مفهوما لدى الرجل العادي والفقيه على السواء.

 

بأداء الحج يعاد تفعيل علاقة القبول بالقدرة الأعظم لله والخضوع لها ويزداد الخضوع لله والتواضع أمامه بنبذ الكماليات الدنيوية ولبس أبسط الثياب والأحذية وهجر كل المشاغل الدنيوية وتركيز القلب والروح على الله المنان الكريم الرحمن الرحيم الخالق.

 

يتوج الحج أفعال العبادة ويختم عليها في صورة مجموعة قوية ومرتبطة ومكتملة من الأعمال التي تضمن الاستسلام لإرادة صاحب الشرع وسلطته وتوفر تلك الأعمال الأدائية في قوتها الجمعية النماذج والصيغ التي يقوم عليها الأساس والبعد الأخلاقيين للقانون. لتكون الخاتمة لهذه التطوافة في سيكولوجية العبادات أننا لو استحضرنا هذه المعاني والتأثيرات النفسية ونحن نؤدي عباداتنا لتعرضنا لنفحات ربانية لا يعلم إلا الله روعتها في نفوسنا وحياتنا على مختلف المستويات والأصعدة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتناول الحلقة كتاب "الشريعة.. النظرية والتطبيق والتحولات" وهو باللغة الإنجليزية لمؤلفه وائل بهجت حلاق وهو مسيحي من أصول فلسطينية ومقيم في كندا.

الأكثر قراءة