جمعية الأمم المتحدة.. المهزلة السنوية والشعارات البراقة

تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة سنويا، يطل علينا فيها السادة رؤساء الدول ورعاة الأمن والسلام الدوليين! حاملين هموم ومشاكل وقضايا بلدانهم، يعرضونها على منصة الجمعية واحدة تلو الأخرى كعرض الحصير عوداً عوداً، لعلها تجد أسماعاً منصتة، وإلا ستكون كلمات استهلاكية تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة، كأخبار عادية سرعان ما تنطفئ شمعتها وتتلاشى الدعوات لحلها.

           

فمنذ أن تأسست هذه الجمعية سنة 1945، وما تهدف إليه من حل القضايا الإنسانية وتحقيق السلام وخدمة الإنسان حسب زعمها، إلا أننا نجدها تتناقض مع نفسها، فهي تحتضن الظالم، والمظلوم، الضحية والجلاد. ترفع هذه الجمعية شعارات براقة أبرزها: تحقيق الأمن والسلام الدوليين، وحماية البيئة، وحقوق الأقليات، ومحاربة المجاعة، والفقر، والأمية، وتحقيق المساواة والعدل، والديمقراطية، ونبذ العنف والحروب الأهلية، والتطرف (محاربة الإرهاب) وقس على ذلك من الشعارات الرنانة.

           

والغريب في الأمر هو أنك تجد الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها، تعاني الويلات والأزمات، وتشكو الفقر والجهل والتخلف والتسلط، وخيراتها البرية والبحرية تسرق باسم محاربة الإرهاب ونزع أسلحة الدمار الشامل، كما حدث في العراق وأفغانستان وغيرهما. إن هذه الجمعية العامة بكل مصداقية، قد أصبحت منذ زمن بعيد فندق استراحة تقصده نفوس رؤساء الدول لقضاء أيام معدودات هرباً من شكاوى شعوبهم وأزمات بلادهم – طبعا هنا الحديث عن رؤساء الدول المتخلفة والنامية والسائرة نحو النمو- وتبادل الحديث مع أعضاء الدول الكبرى، والضحك والاسترواح على أوتار الشعوب وتبادل التهاني على المناصب الجديدة.

         

لا آفاق ولا مبادرات فعالة من لدن هذه الجمعية لحل هذه الأزمة. شعوب تدك بالقنابل والبراميل المتفجرة والصواريخ والأسلحة الكيماوية، والفسفور، وشعوب تحرق وتهجر عرقيا، ولا تحرك ساكنا!

لقد أصبحت الجمعية العامة مهزلة سنوية تتلاقى فيها الشياطين التي عاثت في الأرض الفساد شرقاً وغرباً، تتبادل فيما بينها الاتهامات بافتعال الصراعات والأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية. لقد باركت هذه الجمعية احتلال فلسطين، وبشكل غير مباشر احتلال العراق، وباركت بعض الانقلابات العسكرية التي اندلعت في المنطقة العربية، ولازالت تبارك الآلة القمعية الأسدية في سوريا منذ ثمان سنوات، وحالت دون حرية الشعوب وتحررها من الاستبداد الذي مورس عليها منذ عقود، واتخذت لنفسها موقفا محايدا طبقا للمقولة الشهيرة "أهل مكة أدرى بشعابها"، وإن نطقت، نطقت منددة ومستنكرة وأحيانا قلقة، حتى سماها بعض الإعلاميين "بجمعية القلق المتحدة"!

            

وتستمر سياساتها هكذا في باقي الأزمات، وأبرزها الأزمة الخليجية الحالية، إذ لا آفاق ولا مبادرات فعالة من لدن هذه الجمعية لحل هذه الأزمة. شعوب تدك بالقنابل والبراميل المتفجرة والصواريخ والأسلحة الكيماوية، والفسفور، وشعوب تحرق وتهجر عرقيا، ولا تحرك ساكنا، دماء ودموع، نزوح ولجوء، اللهم إلا إذا كان ذلك يتعارض مع مصلحة الدول الكبرى، حينئذ يحشر الشيطان أنفه ويوجه ترساناته الإعلامية قبل العسكرية تمهيدا للتدخل بدعوى حماية المدنيين العزل كما حدث في ليبيا.

          

فكم من جلاد مزق البلاد والعباد وأفلت من العقاب، وكم من مظلوم رفع دعاوى قضائية وعورض، وكم من خطوات أفشلت لمحاولتها فضح جرائم الجناة، وكم من تقارير عن جرائم حرب لم يسمع لها. فلماذا كل هذا الاجتماعات سنويا، وكل هذه الشعارات البراقة، إذا كانت الشعوب ستتجرع مرارة سياساتكم القذرة لسنوات وسنوات؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة