تحولات متسارعة وقلق جماهيري

يتحدث بعض الحكماء عن المجتمع الذي كانوا يعرفون، ولم يدركوا "ظواهر" ومستجدات تتلاحق تحت أقدامهم في زمن التحولات المتسارعة. ولا مبالغة في الاستنتاج بأنّ الإنسانية دخلت طوراً جديداً، يشهد تبدلات ظاهرة وتفاعلات عميقة في مجالات شتى.
        
لا تتسارع التحولات بلا أعباء ثقيلة تلقيها على كواهل المجتمعات، ومنها أنها تتلازم، عادة، مع تصاعد القلق الجارف. فالبشر يأنسون بالثبات، وينشدون عبره استقراراً معنوياً، والنجاح أو الاستقرار لدى بعضهم يُقاس بمدى الانتظام في طقوس يومية رسختها مؤسسات المجتمع وأنظمته بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى مواقع العمل حتى الانفلات من دورة الإنتاج.
       
ومن سلطان المألوف على البشر أنّ بعض ما اعتادوا فِعله ربما فقد جدواه منذ زمن تحت وطأة التحولات، لكنهم يواصلون القيام به على نحو رتيب. يحرص الموظفون، مثلاً، على مفارقة منازلهم كل صباح بغية الجلوس على مكاتب تقليدية باعثة على السأم تحتويهم نهاراً مديداً. يواصل بعضهم ذلك لأنهم رأوْا أجيالاً سبقتهم إلى هذا الفعل النمطي، ولأنّ بعضهم أيضاً لا يرغب بالمغامرة بفقدان التعبيرات الإدارية أو السلطوية التي يُتيحها الاحتماء بمكتب تقليدي. يحافظ هؤلاء على طقوس متجذرة رغم أنّ أعمالهم المكتبية لا تتجاوز أجهزة ذكية يحملونها بأيديهم دون أن تقتضي انتقالاً مكانياً أو تمترساً بمكتب تقليدي.
        
قد يستمرئ البشر الاعوجاج إن ألِفوه، دون أن يجرؤوا على تعديل المسالك والاستقامة بالمسارات، فالتغيير ينطوي على مفارقة الألفة

 

من واقع الحال أنّ الإنسان لا يفارق طقوسه بسهولة، بل يُوحي، زيادة على ذلك، بانشداده إلى الماضي بصيغ شتى، من قبيل مقولة "الحنين" إليه، فهو ماضٍ مألوف وتم تجريبه واجتياز منعطفاته، ومساراته المعروفة لم تعد تحمل مفاجآت، فلا يخشى المرء وقائعه لأنها مضت وتصرّمت وانطبعت في الوعي، فبات الماضي بهذا مأمون الجانب مضمون العواقب. لا يبدو عجيباً أن يسود "الحنين إلى الماضي" رغم كل ما تخلّله من مآسٍ وكوارث ونكبات وأزمات، فالماضي الذي يشدّ البشر إليه هو ماضٍ مُتصوّر، تم تركيبه بعد نزع بعض الأشواك من الوعي به، أو هو حنين الإنسان إلى ذاته التي كانت قبل أن تجتاحه الأيام اللاحقة بتحولاتها وهواجسها الوجودية من المستقبل غير المعلوم. إنها لحظة تاريخية تعلو فيها شعارات العودة والاستئناف، والردة والاستدراك، على جانبي الأطلسي مثلاً، كما تجلّى في حملة ترامب لرئاسة أمريكا وفي حملة انفلات بريطانيا من أوروبا الموحّدة، فكلاهما عبّر بصريح العبارة عن إرادة استعادة البلاد "عظيمة مجدداً"، من قبيل شعار Make America Great Again.

 

التحوّلات والتبدّلات في واقع الأفراد والمجتمعات والأمم والعالم كفيلة باستثارة القلق والهواجس، وعندما يسيطر الخوف على الوعي الفردي و/أو الجمعي فإنه يدفع بمناحٍ غير سوية في التفكير والاختيارات

              

وما يستثير القلق الوجودي في هذا المقام هو المستقبل، الذي يبدأ الآن، أي في لحظة راهنة. إنه المستقبل الذي يبعث المخاوف الوجودية من مراقدها، بدءاً من خشية كامنة على موارد الأرزاق وصحة الأبدان وفرص الرعاية، وانتهاء بالخوف الوجودي المتأصل من واقعة مستقبلية حتمية لا يميل البشر إلى إمعان التفكير فيها، أي الموت الذي يتموضع زمنياً بالنسبة للأحياء جميعاً في المستقبل.

        
تجري التحولات والتبدلات من حول البشر ومن تحت أقدامهم، وهي بهذا كفيلة بانقشاع الطمأنينة من صدورهم. فالبشر يأنسون بالألفة، و"الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة"، بتعبير أبي حامد الغزالي. ومن سلطان المألوف على الناس أن يتشبثوا بمواقعهم الوظيفية وانشغالاتهم اليومية وتفضيلاتهم السلوكية واختياراتهم الإعلامية، لأنّ التبدل يُورِث الوحشة التي لا يبددها سوى مألوف جديد يزيح سابقه.
           
تخوض بعض الشركات قدراً من المغامرة إن بادرت إلى تطوير شاراتها وتغيير الهوية البصرية لمنتجاتها وخدماتها، ومبعث المغامرة النسبية هي احتمال خسران قسط من جمهورها بعد أن اعتاد ما كان منها وقد يصعب عليه التكيف مع مواصفاتها البصرية الجديدة. وبهذا، تُدرِك المؤسسات الحاذقة أنه يتعين عليها المسارعة إلى تطبيع الإدراك الجماهيري مع سماتها البصرية الجديدة كي تضمن الاستمرارية والاحتفاظ بالجمهور.
          
ينتصب المألوف عموماً، عائقاً في وجه مساعي الإبداع والإصلاح والتغيير، في مستوى الفرد والجماعة والأمة والعالم. وقد يستمرئ البشر الاعوجاج إن ألِفوه، دون أن يجرؤوا على تعديل المسالك والاستقامة بالمسارات، فالتغيير ينطوي على مفارقة الألفة علاوة ما يقتضيه ذلك التصحيحُ والاستدراك من خوض تدافعات بين قوى دافعة وأخرى معيقة ترى ذاتها ومصالحها في أوضاع راهنة؛ بما يتطلب اصطباراً وتضحيات.
                  
لن تخلو أي محاولة لتعريف الهوية بمقاييس صارمة، من فعل قسري محفوف بالتعسف، لأنّ مسعى كهذا إنما يحاول وضعها في قالب جامد

         

 إنّ التحوّلات والتبدّلات في واقع الأفراد والمجتمعات والأمم والعالم كفيلة باستثارة القلق والهواجس، وعندما يسيطر الخوف على الوعي الفردي و/أو الجمعي فإنه يدفع بمناحٍ غير سوية في التفكير والاختيارات، وقد تحرِّض هذه الحالة على التضحية بمكتسبات قيمية وأخلاقية في طريقها. فالتحولات المتسارعة، إجمالاً، تمنح المجتمعات شعوراً بأنها لا تقف على أرضية معنوية مستقرّة، فينتابها قلق يدفعها إلى البحث عن ملاذات للطمأنة الذاتية، الوهمية أحياناً، أو اللجوء إلى اختيارات متشنجة، فيبزغ وهْج التطرف والعنصرية والإسلاموفوبيا مثلاً.

           
ومع إحساس المجتمعات بتحولات متسارعة من حولها في مجالات شتى، وتزايُد منحى تداخل المجتمعات والمكونات وتمازج أتباع الثقافات والأديان المتعددة في حيز واحد، تندفع التساؤلات عن الهوية الذاتية، "من نحن؟ ومن نكون؟"، فتعلو الشكاوى من وجود "أزمة هوية"، كما يُسمع في مجتمعات أوروبية مثلاً. إنها أزمة مُفتعَلة وساذجة إلى حد كبير، لأنها تفترض انغلاق الهويات وأنها حالة استاتيكية ثابتة بينما هي واقع ديناميكي متفاعل ومرن، ومنفتح بطبعه على مؤثرات شتى.
           
ولن تخلو أي محاولة لتعريف الهوية بمقاييس صارمة، من فعل قسري محفوف بالتعسف، لأنّ مسعى كهذا إنما يحاول وضعها في قالب جامد، بما يقضي بتحجّرها وبلوغها نهاية التاريخ، وستكون هذه هوية مُتخيّلة وليست حالة واقعية بحال، أو هويّة مفتعلة يُسعى إلى إنضاجها عبر استراتيجيات دؤوبة ولو بطمس عناصر وقهر مكونات وتحييد مؤثرات "غير مرغوبة". وتبقى المجتمعات، رغم ذلك، مشدودة إلى التحديد والثبات في وصف "من نحن؟"، بصفة يشوبها الافتعال، ونطاق "نحن" هذه؛ يتحدّد عادة بالبحث عن النقيض أو تشخيص المُغايَرة، على منوال القول: "تُعرف الأشياء بأضدادها"، فيتم البحث عن هذا "الآخر" أو مطاردته وافتعاله، وحبذا لو كان بغيضاً أو عدوّاً!
                
الجمهور العربي والمسلم الذي تتعاقب عليه مؤثرات تهزّ ما (كان) يعدّها ثوابت أو تحطِّم ما (سبق أن) استقرت قناعاته على أنها قامات وهامات، إنما يعايش في الوقت ذاته صدمات متضافرة في عالم تتسارع تحولاته الثقافية والاجتماعية

 

 تسعى كثير من الخطابات الرائجة في أوروبا إلى تعريف الهوية الذاتية، المُتصوّرة أو المُفترَضة، بناءً على تشخيص النقيض الذميم، الذين هم المسلمون أحياناً، واستدعاء الإسلام بالتالي ليظهر في صورة نقيض "الوطن" والتقاليد أو "الهوية الوطنية" أو "قيم أوروبا" أو "قيم الجمهورية الفرنسية" أو "القيم البريطانية"، ونحو ذلك من السِّمات والخصائص والمشارب. إنّه منزع متصاعد في أوساط أوروبية عدة، ثقافياً وسياسياً وإعلامياً ومجتمعياً، وهو يلقي مقاومة من أوساط أوروبية متعددة تُدرِك مخاطر هذا الانكفاء القيمي والتدهور الثقافي وفداحة أن تنقلب الأمم والمجتمعات على عقبيها. وما يزيد المشهد تعقيداً، أنه يتغذى من قوالب نمطية راسخة في ثنايا الذاكرة الجمعية. تحظى هذه القوالب بعمق تاريخي فيَسهُل إحياؤها سريعاً والنفخ فيها، بما يتفرّع عنها من أحكام مُسبقة يجري إسقاطها على المسلمين مثلاً في منحى تعميمي جائر.

          
إنّ الجمهور العربي والمسلم الذي تتعاقب عليه مؤثرات تهزّ ما (كان) يعدّها ثوابت أو تحطِّم ما (سبق أن) استقرت قناعاته على أنها قامات وهامات، إنما يعايش في الوقت ذاته صدمات متضافرة في عالم تتسارع تحولاته الثقافية والاجتماعية، ويتجه بشكل متزايد إلى تجاوز "المركز" إلى شتات لا مركزي في المؤثرات والتدفقات، علاوة على تعاظم الضغوط على وعيه بـ"هويته" الثقافية وأمّته، وربما استشعر تفاقم معضلات وصراعات وحرائق وهزّات جسيمة في واقعه المباشر، كما يبدو في حالة الاعتداءات التفجير والصراعات والحروب والأزمات مثلاً.
          
ثمة خيط ناظم بين ظواهر وحالات تبدو مبعثرة ومتنافرة، مثل الالتحاق بداعش، وركوب قوارب الموت، والإقدام على الانتحار، والفرار إلى المؤثرات العقلية، وإعلان التمرد على الخالق. فالذين استبدّ بهم القلق واستولى عليهم الخوف وتملّكهم الانزعاج والغضب، أو اجتاحتهم صدمات وإحباطات شتى في عالم سريع التغيّر، قد يندفعون إلى حمأة التطرّف أو التشنج أو العدمية في اختياراتهم، التي تكون مؤقتة عابرة أو مستقرة دائمة.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال رئيس الوزراء الكويتي إن بلاده تعتزم استضافة مؤتمر دولي العام القادم للمانحين، لدعم العراق، وذلك بالتنسيق مع بغداد والمجتمع الدولي، وجدد التزام بلاده بمساعدة العراق لاستعادة دوره إقليميا ودوليا.

دعا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي المجتمع الدولي لممارسة ضغط على جماعة "الحوثي" وحزب صالح، بهدف دفعهم إلى الامتثال لقرارات الشرعية الدولية، وتقديم التنازلات للوصول إلى حل للأزمة اليمنية.

الأكثر قراءة