الزواج لمن أراد

هذه رسالة اُقدمها لكم من واقع الحياة قد تخلوا من مفردات اللغة المزخرفة، هي رسالة أبعثها لكل شاب وفتاة مُقبليّن على الزواج وإلى كل زوجين سائرين بطريق الطلاق. يقولون تزوج لتسعد، يُلحون عليك برجاء الزواج، وآخرين ينفروك منه ويطلبون منك بإلحاح رجاءً ومعذرةً كُف! لماذا أكُف وأمتنع ولماذا أقبل أيضاً، إن مسألة الزواج مسألة مثلها كمثل السؤال الشائع المعروف بالسهل الممتنع، هي تجربة قد تخوض غمارها تراها سهلة وغيرُ مكلفة ولكن هناك استحقاقات يجب أن تؤدى، فالزواج هدف، لكن ليس قصير المدى ولا مغامرة مجنونة تنتهي بانتهائها.

                             

قبل الزواج هل سألتم أنفسكم لماذا الآن وفي هذا المرحلة سأتزوج، برأيي هذا سؤال يَحل ويُعالج الكثير من القضايا، فمثلاً العمر يلعب دوراً فاعلاً في قضية الزواج وخاصة بمن يتمسك بالعادات والتقاليد البالية، فارغة المعنى والمضمون، الشاب قد كبر، بالتالي عليه أن يتزوج، وإن لم يفعل، فُرض عليه فرضاً، وأما الفتاة لقد كبرت أصبح عمرها كذا وعشرين أو قد جاوزت الثلاثين عليها بالزواج، وعندما يتقدم لها من لا تراه مناسبا لها، لا تستطيع المسكينة أن ترفض أو تعقّب بكلمة، أو أن تبدي رأيها فيه، لأنها ستجد ألسنة حادة تمزقها وتخدش كرامتها وإنسانيتها بعد أن تجاوزت هذا الحد، فالمقبل على الزواج يجب أن يسأل نفسه وأن يجيب بكل مصداقية لماذا الآن؟ هل أستطيع أن أتزوج في الوقت الحالي؟ وهل هو مناسب ولماذا، هل أنا قادر على تحمل أعباء الزواج بعيداً كل البعد على ما ذكرت آنفاً، طبعا الإجابة تختلف من شاب إلى شاب وكذلك الفتيات.

                       

دعك من كل من يفرض عليك رأياً في قضية الزواج وإن كان هذا المنطق في كل القضايا أصلاً، لكن في هذه القضية يجب قول لا، أدعوكم أن تضعوا الأمور في نصابها وأن تحسموا القرار بعيداً عن الضغوط والأهواء فلا يُغلّب العقل على القلب ولا العكس كونوا متزنين وحيادين بين هذا وذاك
              

بمن أتزوج؟ أيضاً سؤال يجب أن يُسأل قبل الزواج، في المجتمعات العربية المحافظة هذا السؤال له أهمية كبيرة جداً، قد يلجأ أحيانا كلا الطرفان للإجبار على القَبول بالزواج وإن كان هذا القرار نابع عن إرادة ولي الأمر، وأحيانا يحكم عليهم وهم في المهد، هذه لفلان بن فلان انتهى، لقد حسم الأمر من قبل الجد أو الأب أو العم فلا ينبغي أن يُعارض كلامهم المقدس! أو العكس يريد الشاب التقدم لفتاه تعجبه فيرفض الأهل ذلك بناءً على عادات مُجّتمعية جاهلة لا على أساس جوهري ذا قيمة، بمن تتزوج، خذ وقتك واكتب وفكر بمواصفات من تريد الارتباط بها من عدة جوانب، المستوى التعليمي، الأكاديمي، الجمالي، المالي، الحسب والنسب، ودعك من كل من يفرض عليك رأياً في قضية الزواج وإن كان هذا المنطق في كل القضايا أصلاً، لكن في هذه القضية يجب قول لا، أدعوكم أن تضعوا الأمور في نصابها وأن تحسموا القرار بعيداً عن الضغوط والأهواء فلا يُغلّب العقل على القلب ولا العكس كونوا متزنين وحيادين بين هذا وذاك.

                  

أما وقت الزواج فباعتقادي له وقت معين، وهو حينما يقرر الشاب أو الفتاة ذلك الوقت بناءً على مقتضيات شخصية بحتة بعيداً عن الضغوط الأسرية والمجتمعية وكذلك العمر يحدد بناءً على الرغبة في الزواج وإن كان تجاوزا الأربعين، كما ويجب أن يُراعى في هذا الجانب قضية مؤرقة لكثير من الشباب هو عدم المقدرة المالية حين تتوفر جُل المقومات، فيصبح القلب والعقل في صراع داخلي عنيف بين هذا وهذا من يختار وإلى أي شق يميل، وقد ينطبق في هذه الحالة قول الأديب مصطفى محمود حين قال "أشد حيرتي حين تكون بين ما أريد وما أستطيع"، لكن هنا أدعوا الشباب إلى أن يُطيع عقله ويُغلِّبه على قلبه لأن المال هو عصب الحياة أي يرتكز عليه الكثير من الأمور فبدونه قد تفقد الكثير، أو أن يجلب لك الزواج في هذه الحالة التعاسة والشقاء، ولقد قال رسول الله -صلَّ الله عليه وسلم- يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، وهنا قد قرن المصطفى -صل الله عليه وسلم- الزواج بالاستطاعة.

                       

قد تصادفك هذه الأيام أولئك المنفرين من الزواج، نقول لهم كم من شاب أعزب امتنع عن الزواج لا لشيء فقط ليعيش سعيداً بعيداً عن تحمل المسؤولية المرتبطة بالزواج، فتبين له فيما بعد أنه يعيش تعيساً مكتئباً حاله حال الحمقى يقرر الخطأ ويعلم أنه خطأ
         

العقد على التأبيد وقدسية عقد القران يجب فهمه من الناحيتين الدينية والدنيوية، حين اتخاذ القرار بالزواج، يجب أن يعلم الطرفان أن هذا العقد قد قدسه الله وهو عبارة عن ميثاق غليظ أخذه الله منا فإما إمساك بمعروف وتسريح بإحسان، فالعقد قائم على أسس وضوابط عدة يجب أن تُراعى وتُفهم، فالزواج ليس نزهة، فأنت إذا قبلت يجب أن تلتزم بما أمرك به المُشَرِّع جل جلاله. وقد تصادفك هذه الأيام أولئك المنفرين من الزواج، نقول لهم كم من شاب أعزب امتنع عن الزواج لا لشيء فقط ليعيش سعيداً بعيداً عن تحمل المسؤولية المرتبطة بالزواج، فتبين له فيما بعد أنه يعيش تعيساً مكتئباً حاله حال الحمقى يقرر الخطأ ويعلم أنه خطأ، هؤلاء يعربون لك عن خيبة أملهم وتعاسة حظهم الواقع عليهم بإرادتهم إلا من رحم ربي وهم قليل، فدعك منهم أنت من يقرر.

              

إن ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع العربي لنسب مرتفعة راجع إلى أسباب تكاد تكون واضحة كالشمس في كبد السماء، لكن المشكلة تكمن في معالجة هذه الأسباب معالجة دقيقة بعيدة عن الغلو والتنطع من الطرفان، إن المشاكل الأسرية موجودة بوجود العلاقة بين الزوج والزوجة لكن بيت القصيد يكمن في كيفية معالجة الأخطاء، فمثلاً ليس من الضروري للفتاه أن تخبر أهلها بكل شاردة وواردة في عش الزوجية وكذلك الرجل وهذا سبب واضح لتفاقم الخلاف من زوج وزوجة إلى عائلة وعائلة أخرى، لذا حل هذه الظاهرة تتمحور في نقطتين باعتقادي أولاً، قدرة الزوجين على التحاور والنقاش وتقبل الآراء ومعالجتها وهذا يرتكز على عدة عوامل منها النضوج بكل مراحله العمرية والفكرية، لذا على من يريد الارتباط أن يراعي هذه العوامل وما يترتب عليها، ثانياً، هو قول الرسول -صلَّ الله عليه وسلم- "اقضوا حوائجكم بالكتمان" وما أريده هنا هو عدم البوح بالمقدرات المعنوية والمادية للأسرة مما يستدعي تدخل بعض الدخلاء من الأقارب والأصدقاء بدافع الفضول. 

                        

وكما أسلفت قد تتعدد المشاكل لكن الإشكالية ليست في المشكلة وإنما في التعامل والتعاطي مع المشكلة فالحلول تستلزم الوعي من الجميع وهذا قد لا يتحقق لأن الناس مختلفين بطبائعهم بأفكارهم بأسلوبهم، لكن يجب التوعية قدر الإمكان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة