الاقتصاد اللاأخلاقي.. جرائم الطبقات العليا

كطالب اقتصاد وكفاعل مجتمعي ستضطرّ إلى سماع التساؤلات التالية، على الأقل مرة أو مرتين في مسارك الجامعي: كيف يمكن النهوض بالاقتصاد الوطني؟ أو ما هي المؤشرات التنموية الأكثر فعالية للمساهمة في بناء اقتصاد قوي؟ أو ماهي أسس سياسة اقتصادية متماسكة ومواطِنة؟ 

              

لكن ماذا عن الاتجاه المخفيّ وراء اللغة التفاؤلية السابقة؟ الأجدر في اقتصاديات الدول السائرة في طريق النمو أن تتحدّث عن المعيقات والتحديات أكثر من المنطق التفاؤلي لسياساتها. والسبب هو وزن الجرائم الاقتصادية التي تثقل كاهل ميزانيتها وتخرّب مخطّطات التنمية المستدامة لمجتمع بأكمله. وأقصد بالجرائم الاقتصادية جرائم الاحتيالات المالية، كغسل الأموال، تمويل الإرهاب، التهرب الضريبي، إشهار الإفلاس بالتدليس وغيرها من السلوكيات التي تخالف القوانين المنظمة للأنشطة الاقتصادية. 

         

المشكلة تكمن في أساسيات الديمقراطية الغائبة عن الساحة الاقتصادية والسياسية وبهذا يكون التغيير المرجو سطحيا على الدوام يكاد لا يُرى أمام ملفّات تخفي وبمَكر حقائق ذوي النفوذ والامتيازات.

في العادة وحديثا عن الطبقات الاجتماعية، فالجرائم تُقْرَن على الدّوام بالطبقة الفقيرة والتي لِضيق اليد تلجأ لأساليب غير قانونية لربح قوت يومها، غير أنّ مصطلح "جرائم ذوي الياقات البيضاء"ـ والذي ظهر بفضل عالِم الاجتماع "إدوين سذرلاند" سنة 1939ـ قد أدمج ذوي الطبقات الاجتماعية العليا في ميدان الجرائم المالية. إذْ عرّف "إدوين سذرلاند" "Edwin Sutherland" جريمة ذوي الياقات البيضاء بأنها "جريمة يرتكبها فرد من ذوي الطبقات الاجتماعية العليا وله مكانة مرموقة في نطاق مهنته". وبذلك تكون جرائم الياقات البيضاء ذات أثر كبير على توازنات اقتصاد الوطن ونتائجها أكبر من جرائم الطبقات الفقيرة لأنّ متابعتها قضائيّا تبقى محدودة سواء لأنّ القانون ضعيف وفجواته كثيرة ليتحكّم في مثل هذه القضايا أو لأنّ النفوذ الذي يمتلكه ذوي الياقات البيضاء يفوق ويعلو على القوانين.

       

فتح تحقيقات في ملفّات الفساد الاقتصادي الذي يقصف مصالح المواطنين ثمّ تغييب نتائجه بعد مدّة، لم تكن سوى صورة من صور قوّة المزايا التي يتمتّع بها أصحاب النفوذ. وهنا نشير لضرورة تخليق الاقتصاد قبل السؤال عن الكفايات الموجِّهة لسياسات الدّولة. لكلّ جريمة مالية ثمن غير أنّ جرائم ذوي الياقات البيضاء مع غياب الدمقراطية في أجندات التسيير وضعف القانون مع قوّة نفوذهم وشبكتهم الإجرامية، يصير مبدأ الثقة الذي بُنِي عليه الاقتصاد مُعرّضا للتشتّت وسط الرشاوي وتغييب دور الدولة كدولة حق وقانون. أمّا النتيجة الحتمية الموالية فتكمن في عدم تمكّن الدولة من إنتاج معلومة مالية ذات مصداقية بسبب ميكانيزمات الهندسة المالية المعقّدة لذوي الياقات البيضاء. 

        

التعمّق في سلسلة نتائج الجرائم المالية سيجعلنا نتساءل عن حقيقة توزيع الثروات في مجتمع أغلبه استنجد بأنشطة الاقتصاد الغير الهيكلي وما تبقّى منه رضي براتب هزيل لا يعكس حقيقة جهده في العمل!  لم تكن بؤرة المشكل يوماً في نقصانِ تمويلِ مشروع مجتمعي ضخم ولا في نسبة المديونية غير المتحكّم فيها أو في انزلاق الاقتصاد نحو قوانين رأسمالية جشعة وعولمة استنفذت من الميزانية الكثير بلا نتائج إيجابية مرتقبة، كبد الحقيقة يكمن في أساسيات الديمقراطية الغائبة عن الساحة الاقتصادية والسياسية وبهذا يكون التغيير المرجو سطحيا على الدوام يكاد لا يُرى أمام ملفّات تخفي وبمَكر حقائق ذوي النفوذ والامتيازات. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة