قم بنا إلى المشنقة

نصيحتي لك: كن وحيدًا!
وشيّد بُرجك العالي بين سهول ووديان العوام، وابتعد عن تفاهات البشر، وتفاصيلهم المُرهقة المُزهِقة، وأحاديثهم الكثيرة وشكواهم المتصلة الممتدة، ابنِ عالمك الخاص الذي تهرب إليه من بيوتهم المُتهالكة، وشوارعهم المتعرّجة، وأزقتهم الضيقة، وصوت صراخهم المتسلل من نوافذهم المشروخة.
 

واعلم أنَّك لا تُحيط علمًا بحياة أحدهم، ولا ولن تفهم على وجه الدقة ما يُفكّر فيه، إلّا إذا كنت أنت هو، وهو أنت، وكليكما كِيان مُتَّحِد.
  
وما تعلمه عنهم لا يتعدّى قطعتين "بازل" من الصورة الكاملة، وكأنّك اغترفت بيدك شربة ماءٍ من محيطٍ لا قاع فيه، ولا آخر له، فكلُّ معرفة غير مرئية معتمدة على محادثات كتابية لا يُعوّل عليها، وكل معرفة مرئية خالية من أحاديث طويلة لا يُعوّل عليها، وكل معرفة مليئة بأحاديث ليست منها ما يلمس شغاف قلبيكما لا يُعوّل عليها.
  

لا تتدّعي معرفة، إن علمت شيئًا فقد غابت عنك أشياء، واعلم أن علمك هو علم بالجهل، فإن زِدت معرفة فقد زدت إدراكًا لجهلك وضيق أفقك

ولتُقِم نصيحة ابن المبارك حين قال: "ليكن مجلسك مع المساكين"، جالسهم، جاورهم، احكِ معهم، وعنهم، وإليهم. انتقِ جُلّاسك، التمس فيهم الخير، حاورهم بما اعترى نفسك، وبُحْ لهم بمكنون صدرك؛ ولا تنتظر ردًا على سؤالك، ولا تطييبًا بعد شكواك، ولا مساعدة بعد إظهار ضعفك، ألقِ حديثًا طيِّبًا، واترك أثرًا خالدًا، ولتكن شكواك الأولى لله.

  
أدرِك ضعفك، وضعف وعَوَز الجموع حولك، وإن استلّوا سيوفهم دفاعًا عنك، أو أصدروا زمجرة إرهابًا لعدوّك، واعلم أنّهم ضعافًا إن أظهروا قوة، وجبناء إن أظهروا شجاعة.. تلك طبيعة بني آدم، ولا حرج عليهم.
 
شاورهم في الرأي، بعد أن تكون قد شاورت نفسك وعلمت مُرادها، نفسك التي بين جنبيك أحببها وأظهر لها عطفًا، فمن لها إن كنت أنت عليها! لا تقسُ عليها وتجلدها بلومك، لا تُنفّرها منك فتلجأ إلى بعيدٍ يتجهمها، لا تؤذِ أمانة الله، سلِّمها نقيّةً صافيةً.
 
عالمك عالمك، عليك به، ابنِه من خذلانهم لك، ونكوسهم وتركهم لأرض معركتك في خضم صراعاتك، واعذرهم! فبنو آدم لا تثريب عليهم، ولا تنسَ أنّك منهم.
 
اعطِ ثم اهرب! وقوفك يُفسَّر انتظارًا للمقابل، وردًّا للجميل، وتباهيًا بالفعل.. ستصدُق عليك مقولتهم إن لم تولِّهم ظهرك وتطلق ساقيك للريح، وأخطر من هذا ستصدقها نفسك، وتلك لو تعلم مُصيبة عُظمى، وطامة كُبرى. عطاؤك كان لله، وهلاكك في غير ذلك.
 

إن ضبطتك نفسك في معصية، فلا تُزِد حملها بالتمادي والانغماس، ولا تُبخسها قدرها بالمماطلة والتسويف، ولتكن نفسك عزيزة بطاعة ربِّها، اتركها حُرّة ترمح كفرسٍ جامحة، ما دامت بعيدة عن وحل المعصية.
 
لا تتدّعي معرفة، إن علمت شيئًا فقد غابت عنك أشياء، واعلم أن علمك هو علم بالجهل، فإن زِدت معرفة فقد زدت إدراكًا لجهلك وضيق أفقك. وإن لم يَزدك علمك تواضعًا، فهو ليس بعلم، هو جهلٌ في جوهره، وعلمٌ في ظاهره، وغرورٌ في أصله ومن منبته.
  
قُم بنا إلى المشنقة، وعلّق عليها كل ما أرضعوه لك صغيرًا، وألبسوه عليك كبيرًا، فتطبعت بطبعهم، وحذوت حذوهم، وصدّقت فِريتهم.
  
لا تَعِش مبتورًا ناقصًا؛ لن يُنبهك أحدٌ لهذا لأن ما سيتبقى منك سيُشبهك، ولن يلاحظوا شيئًا.



حول هذه القصة

كشف تحليل أجرته جامعة أكسفورد أن القيام بأعمال طيبة وخيرة مثل التبرع للمؤسسات الخيرية أو حتى الإبقاء على الباب مفتوحا لشخص كي يتمكن من الدخول، يعطي صاحبه إحساسا بالسعادة.

وجدت دراسة بريطانية جديدة أن تلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد النيتروجين الناتج من مركبات الديزل يتسبب بأضرار نفسية جسيمة تشابه إلى حد كبير الشعور بفقدان السعادة نتيجة الترمل أو الطلاق.

قالت جمعيتان أميركيتان مهتمتان بأمراض القلب والجلطات الدماغية إن أسلوب الحياة الذي يحافظ على سلامة القلب مثل الرياضة والغذاء المتوازن يمكن أيضا أن يحمي العقل من تراجع النشاط الذهني والخرف.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة