شعار قسم مدونات

الانتخابات الألمانية.. بعيون عربية!

blogs الانتخابات الالمانية

مع أنني لا أفضّل الخوض في الشؤون السياسيّة "البحتة" عادةً، إلا أنني مضطرٌ هذه المرّة للكتابة عن الانتخابات الألمانية، كيف لا وألمانيا أقوى بلدان الاتحاد الأوربي؟ وكيف لا ونحن لا نعرف من الانتخابات إلا رائحتها؟ لكنني لن أكتب هنا المزيد من التحليلات السياسية عن الصراع بين ميركل وشولتز ولا حتى عن أفكار حزب "البديل" المُتطرف ضد المسلمين، كما أنني لن أخوض في موضوع اللاجئين الذي لم يبق أحد إلا وتكلم فيه!

 

ما يستحق الكتابة، هي أجواء الانتخابات وهي مثيرة أكثر بكثير مما نتخيّل، وهي ليست مثالية كما يحلو لنا أن نتصور دائمًا، صحيح أنني لم أرَ ولم أسمع عن أي "طوشة" لا بالأيدي ولا حتى بالأسلحة البيضاء، حصلت على خلفية الانتخابات كما يحصل عندنا عادة، ولم أسمع أي سيارة تسير في الشوارع وتصدح منها أغنية "هيو هيو هيو.. شولتز فش زيو".

 

شيء آخر مثير في الانتخابات هي فكرة انتخاب
شيء آخر مثير في الانتخابات هي فكرة انتخاب "ابن البلد"، فمن يتأمل العبارات سيجد شيء من قبيل "اولا شميت.. من أجل آخن وألمانيا" أو مثل "رودلف هينكي.. ابن اخن من أجلكم في برلين"
 

في الحي الذي أسكنه بمدينة آخن، هُناك لافتات لأحزاب كثيرة، أبرزها حزب الخُضر والاجتماعي الديمقراطي "شولتز"، ولكنني كثيرًا ما كُنت أرى لافتات لحزب اليمين المُتطرف وهو أكثر الأحزاب مُعاداة للمسلمين بعد حزب NPD الذي يُحظى بشعبية أقل، خاصّة أنه يُصنف بدون تردد أنه حزب "النازيين الجُدد"، المُهم أن هناك نُشطاء أخذوا على عاتقهم إعلان "الحرب" على هذا حزب "البديل" -بالألمانية AFD-، حيث أجد كُل صباح عدد لا بأس به من اللافتات التي تم إنزالها وتمزيقها، المثير أنه لم يكن يُلقى في النفايات كعادة الألمان، بل كان يُترك في الشارع ليكون عبرة لكل من يُفكر بالعودة إلى "النازيّة"!

 

المثير أن تصاعد التطرف ليس حِكرًا على اليمين ولا "النازيين الجُدد"، فاليسار المتطرف الذي لا يبدو له أي وجود من خلال الإعلام التقليدي – ولا حتى من نتائج الانتخابات – إلا أن اللافتات في الشارع توحي بشيء آخر تمامًا، فمن يسير في شوارع مدينة آخن يجد عددًا هائلًا من اللافتات لحزب يُدعى MLPD  وهي اختصار للحزب الماركسي اللينيني الألماني، وللعلم فإن "اليسار المتطرف" كان له حضور قوي في مُظاهرات هامبورغ ضد قمة G20، كما أن تقارير المخابرات الألمانية للعام الماضي تؤكد وجود 26 ألف ناشط يساري متطرف – تحت أعين المخابرات – بالمقابل هناك 25000 ناشط يميني متطرف!

 

بالقرب من أكبر قاعة مُحاضرات في الجامعة، وجدت لافتة للحزب "الماركسي" تختلف عن كُل اللافتات، فقد كانت تحمل عبارة "الحريّة لفلسطين"، وقد وجدت أحد المواقع الألمانية يُحرض ضد الحزب مُستغلًا هذه العبارة، وهذا ليس غريبًا لا على الإعلام ولا حتى على أجواء الانتخابات، فمن خلال تأملي لعناوين اللافتات الانتخابية أجد أن ثلّة لا بأس بها تتحدث عن "الاحتباس الحراري" وكأنه أعظم الكوارث التي تواجه ألمانيا، بل كأنه المُشكلة الوحيدة، ولا شك عندي أن الاحتباس الحراري كارثة، كما أنني لا أشك أن هناك من يتلاعب بالحقائق العلمية من أجل مكسب سياسي، كما علّمني أساتذتي الألمان في الهندسة البيئية!

 

هناك نسبة لا بأس بها ترى أن حكاية الاحتباس الحراري أهم بكثير من قضيّة مثل نكبات فلسطين وسوريا واليمن، كما أن مدينة آخن بالذات في هوس الخوف من كارثة نووية مُحتملة بسبب المفاعلات النووية في المناطق البلجيكيّة القريبة، وبالتالي فالقضية لم تكن حاضرة في الشعارات فقط، بل جعلت بعض النُشطاء يسعون في تخريب لافتات الأحزاب الأخرى، فما أكثر صور "مارتين شولتز" و"انجيلا ميركل" التي تحولوا فيها إلى شخصيات مُرعبة بعد إجراء "خربشات" على صورهم، شوارب لميركل وأسنان سوداء لشولتز، ثم كان بعضها مُلحقًا بعبارة: "أين انتم من الاحتباس الحراري؟"

 

نسبة من المُسلمين يرفضون المُشاركة بهذه الانتخابات بحجج كثيرة، إلا أن الخطيب راح يدعو الناس للمشاركة بالانتخابات وكانت الفكرة الأساسيّة بالدعوة هي دعم الأحزاب المعتدلة مُقابل الأحزاب المُعادية للمسلمين

شيء آخر مثير في الانتخابات هي فكرة انتخاب "ابن البلد"، فمن يتأمل العبارات سيجد شيء من قبيل "اولا شميت.. من أجل آخن وألمانيا" أو مثل "رودلف هينكي.. ابن اخن من أجلكم في برلين"، وما يستحق التأمل أكثر أن مارتن شولتز قرر قبل يوم واحد من الانتخابات أن يعقد مهرجانًا انتخابيًا في مدينة آخن، خاصّة أنه ولد في بلدة "فورزلن" الصغيرة والتابعة لمدينة آخن، وهو مسألة تستحق التأمل أكثر، حتى قبل إطلاق الحُكم بأن المسألة مسألة "عصبية قبليّة" كما هي عندنا!

 

بالمناسبة فإن الفيسبوك لا يترك لنا يومًا دون الاستراحة من إعلانات مارتن شولتز، كما أن اليوتيوب لا يتركنا من إعلانات حزب الخُضر، وليس الأمر ينحصر هُنا، فحتى نشرة الأخبار المُخصصة للأطفال " Logo" من قناة ZDF، بدأت منذ أشهر بالتوعية بالانتخابات وأهميتها وحتى طُرق تنظيمها، كما التعريف بالأحزاب الألمانية وحتى مواقف هذه الأحزاب من قضايا تثير اهتمام الأطفال مثل إجراء الإصلاحات في النظام التعليمي وحقوق الأطفال في ألمانيا والعالم.

 

في المسجد بدى الأمر مُختلف تمامًا،  حيث أن نسبة من المُسلمين يرفضون المُشاركة في هذه الانتخابات بحجج كثيرة، إلا أن الخطيب راح يدعو الناس للمشاركة في الانتخابات وكانت الفكرة الأساسيّة في الدعوة هي دعم الأحزاب المعتدلة مُقابل الأحزاب المُعادية للمسلمين، كما نشرت لجنة الفتاوى بألمانيا فيديو للدكتور خالد خنفي يدعو المُسلمين للمشاركة السياسيّة على أمل تكوين وعي سياسي عند المُسلمين، مُعتبرًا أنه هذا هو السبيل لرفع الوعي بالقضايا التي تخص الجاليات المُسلمة، خاصّة وأن أعداد المسلمين في ألمانيا في تصاعد مستمر!

 

كانت هذه مُجرد مُلاحظات من وحي مُشاهدتي لما يُسمى "انتخابات"، وهي مُناسبة سياسيّة لم تعرفها بلادنا العربيّة إلا في الكُتب والتحليلات، أما على أرض الواقع فإن ما يحصل عندنا لا يُمكن أن يسمى انتخابات، بل فزعة، أو ربما هو موسم المناسف والولائم في أحسن الاحوال!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.