بلادك منفاك أين المفر!

Blogs- travel

بلادنا، ذلك الذنب الذي لم نقترفه لكننا ندفع ثمنه كل يوم، ذنب ثقيل ينقض ظهرنا حِملٌ راكمته فوقنا الأجيال السابقة بتخبطها وعشوائيتها، نعيش فوق ترابه الحبيب خائفين من الموت متوجسين من الفقر والجوع، يقايضنا الزمان ويساومنا مساومة رخيصة، فإما الوطن وإما الحياة، فماذا نحن فاعلون؟ وما هذه الحيرة اللعينة التي كتبت علينا وما هذه المعادلة المعقدة التي صرنا جزءًا منها؟ 

      

هل من المنطق السليم أن يعمل خريج هندسة المعلومات نادلًا في مقهى شعبي في ظروف عمل مهينة؟ هل من المنطق السليم أن تطلب مطاعم الشاورما عمالًا بشرط الحصول على شهادة جامعية عليا؟ هل من الصحي أن يكون طموح الإنسان الأعظم هو الحصول على الأساسيات من عمل ومسكن وزواج وملبس ومأكل؟ هنا يحضرني ما يُنسب للإمام على -كرم الله وجهه- إذ يقول "الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن"، فحين يعجز الإنسان عن توفير أساسيات حياته سيفقد قدرته على التفكير بأحلامه وطموحاته. وهنا تكمن المعضلة في الاختيار بين الحياة الفارغة المريحة والحياة الخالدة المتعبة، بين لقمة العيش والمجد، كم من العباقرة تخلوا عن مواهبهم تحت تهديد الفقر والعوز، وكم طرقوا الأبواب فلم يعودوا إلا بالمذلة والمهانة، وكم انكسروا مرارًا وهم يرون فرصهم تُقتل أمام أعينهم وتُعطى لمن لا يستحق وهم لا يستطيعون حراكًا.

              
الموضوع لا يتعلق بالظروف المادية فقط، ولو كان كذلك فإن التفكير في ترك الوطن خيانة، المشكلة تكمن في ظلم توزيع الفقر والتهميش، لماذا يوضع الرجال في أماكن لا يليقون بها؟ لماذا يعيش أبناء المسؤولين في ترف بينما يجوع الموهوبون والمتفوقون؟ لماذا يتم تسليط الأضواء على أبناء الحزب الحاكم بينما يُهمش كل من لا ينتمي إلى ذلك الحزب؟ كما قلت لكم لو تم توزيع البؤس بالتساوي لقلنا إن هذا هو القدر المكتوب.  وأن الصبر الجميل من شيم الرجال وبه تعرف المروءة، لكننا في حالنا هذا لن نجد إلى الصبر سبيلا وقد قطع الظلم كل الطرق المؤدية إليه، ونصب الفساد الكمائن والحواجز مانعًا إيانا من الوصول إليه.

                                     

الناجي فينا من يفهم أن الواجب الأعظم عليه كإنسان أن يهرب من غربته باتجاه منزله الأول الذي خرج منه، المفر من الوطن يكون إلى الغربة والمفر من الغربة يكون إلى الوطن والمفر منهما يكون إلى النهاية.
الناجي فينا من يفهم أن الواجب الأعظم عليه كإنسان أن يهرب من غربته باتجاه منزله الأول الذي خرج منه، المفر من الوطن يكون إلى الغربة والمفر من الغربة يكون إلى الوطن والمفر منهما يكون إلى النهاية.
             

أعلم أن المنافي ليست الحل ولا أدعو إلى الهجرة وخاصة الهجرة غير الشرعية التي أدينها وأتخذ منها موقفًا مضادًا، وأدرك أن الغربة ليست الفردوس المفقود والجنة الموعودة، لكنّ حياة أي واحد منا بنيت على قانون التناسب، لا شيء فيها كامل وما ينقص هنا يزداد هناك ، ففي أحسن الأحوال إذا هاجرت تاركًا بلادك و قلبك فسوف تجد وظيفة لائقة بشهادتك العليا لو وجدت، وستفتح الأبواب على مصراعيها أمام مواهبك الكامنة لو كانت لديك، و لن تفكر مجددا بتوفير لقمة العيش على حساب طموحاتك، لكن غصّةً شديدةً في قلبك سوف تفتك بمشاعرك، ستزداد الحيرة يوما بعد يوم، وستشعر بفراغ كبير في روحك، ستنهال عليك الذكريات كالمطر الحمضي من سماء الذاكرة ستحرقك وتدمي عينيك، سوف تتراءى لك الشوارع الطينية غير المرصوفة وأنت تتمشى في شوارع المدن العامرة المليئة بالأضواء والغرابة، سوف تتذكر عكاز جدك ومقعده أمام منزله في المخيم حين ترى المسنين الشقرَ يمارسون رياضة الجري على جوانب الطرقات، سوف تجتاحك رائحة الفلافل والمفتول وأنت تمر بجانب مطاعم الوجبات السريعة، وسوف تتذكر الإبتسامات الخجولة على وجوه السمراوات حين يغطي الثلج باحة منزلك في ليالي الشتاء الباردة .

          

بلادك سجنٌ و قهرٌ و فقرُ و منفاك عمرٌ هباءً يمرّ و بينهما شقوةٌ تستمر حياتك منفاك فاشدد رحالك و اخلع قيودك من معصميك، و اتبع فؤادك حيث البلاد تنادي عليك

ما العمل إذن؟ وما الذي يجب علينا أن نختاره؟ دفء الوطن الفقير أم برد الغربة الغنية؟ هل يجب أن نكون الفقراء الذين يقضون ليالي الخريف رفقة جيرانهم وأصدقائهم بالقرب من كانون النار في انقطاع الكهرباء؟ أم أن نكون الأغنياء المترفين الذي يسهرون وحيدين بالقرب من مدفئة حجرية رفقة ذكرياتهم وحنينهم الملتهب؟ يا له من اختبار صعب ويا لها من حيرة قاتلة! يبدو أن الحياة قائمةٌ على نظام عدم الكمال، ويبدو أن التضحية شيء ضروري للاستمرار في المسير الأبدي للإنسانية نحو المجهول المقدّر، لا يملك أي واحد منا مفاتيح الغيب ولا يعرف أحدنا ملامح المستقبل، إنها رحلة وسوف تنتهي. لكنك تمتلك قرارك، ولك أن تحاول في كتابة حكايتك الخاصة، الوطن حيث يكون قلبك في راحة وأعتقد أن الراحة الكاملة لا وجود لها فعليًا، حياة القلق تليق أكثر بمن يفعّل عقله ويستمع إلى قلبه، في الحقيقة كلنا في غربة بعد أن نزلنا من منزلنا إلى هذه الحياة الدنيا، كلنا في قلق وجودي وحيرة تامة أمام ما يحصل لنا.

             

لكن الذكي فينا من يعرف و لو قليلا ما الذي ينبغي عليه أن يفعله، وما هو الطريق الأنسب الذي عليه أن يسلكه، والحكيم فينا من يحدد نواقصه وعيوبه، ومن يتحايل على نوائب الدهر فيخرجَ منها بأقل الأضرار، والقوي فينا من يستطيع اتخاذ قرار الهجرة عن كل ما يؤذيه و يعطل مسيرته، والشاعر فينا من يحول لياليه الحالكة إلى مصدر مشع للمحبة، والضعيف فينا من يقنع بحاضره التعيس دون أن يفكر في التخلص من قيوده، والناجي فينا من يفهم أن الواجب الأعظم عليه كإنسان أن يهرب من غربته باتجاه منزله الأول الذي خرج منه، بلادك منفاك أين المفر؟ الإجابة عن هذا السؤال واضحة، المفر من الوطن يكون إلى الغربة والمفر من الغربة يكون إلى الوطن والمفر منهما يكون إلى النهاية. 

و تبكي
لعل الدموعَ تفسر ما يعجز الشعر عنهُ 
و يرتاب منهُ الكلام
بلادك منفاكَ
قربك منها جنونٌ
و بعدك عنها انهزام
و عمرك في سكونٌ
و في غيرها لا يُعدّ 

*****

    
و صوتُك فيها جريحٌ و في غيرها لا يُهمّ
و وجهك فيها حزينٌ 
و في غيرها لا يراه الأنامُ
و حلمك فيها ربيعٌ يجفّ 
و لكنه في سواها خريف
و أنت القوي و أنت الضعيف
ستغويك حتمًا بلادٌ سواها
ستهديك مالًا و تعطيك جاها
و تنسج غربتها من حريرٍ
و قد تتمكن منك الغوايةُ

*****

       
قد تعبر البحر بحثًا عن الخبز و الأمنيات 
و تبقى بلادك و الأغنيات
هنالك حيث النبوءةُ لا تطعم الجائعين
سيشقيك ذنب التخلي عن الجرح و الذكريات
سيقضي عليك الحنين
بلادك منفاك أين المفرّ
بلادك سجنٌ و قهرٌ و فقرُ
و منفاك عمرٌ هباءً يمرّ
و بينهما شقوةٌ تستمر
حياتك منفاك 
فاشدد رحالك و اخلع قيودك من معصميك
و اتبع فؤادك حيث البلاد تنادي عليك

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان