العائدون "لحضن الوطن" أي دفء؟

blogs الأسد وخامنئي

لم نكن سذج عندما اعتقدنا أن المقدمات المنطقية لابد وأن تؤدي إلى نتائج لا تتوافق معها، على الأقل من المنظور الأخلاقي والإنساني، التي جعلتنا ندقق جيدا في كل المواقف والتصريحات الصادرة عن من اعتبر نفسه أو اعتبر في وجدان الشارع متكئا أخلاقياً في مراحل الظلم البشري على امتداد نصف قرن لتتعرى تلك الكائنات الصغيرة، أمام جثث وجماجم عشرات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال على امتداد الدمار الذي تغرق فيه سوريا.

أطل الأسد مؤخراً، يغازل إمامه الخامنئي "وجنوده القديسين الذين أضفوا بقتلهم للسوريين تقديسا مختلفا" لتتسع من جديد رقعة السذاجة والاستهبال وخذلان المراهنة، للتعويل على تلك الكائنات التي غَرفت من عقل التجانس، أو غُرف منها من رأى في قداسة موت مئات الآلاف ألقا لقدسية قاتل تهبط عند أقدام "الإمام" وجنده يسحقون أجساد البشر ويهددون من يعود دون تقبيل "الجزم"، وحزمة الشعارات العريضة تحترق في طوشة الحروف المنهالة على سكان المدن.

 

عقلية العائدين لحضن النظام لا تعود لشخصيات سياسية أو فنية أو نخبوية فقط ففي سيل التغوير والتجويف السياسي والثقافي والفني والأدبي متسعاً للسقوط الأزلي للألقاب الوهمية الزاحفة على بطونها وعقولها لتقص علينا درسا "مقدساً" يستدعي كل النقائض الغائبة الموجودة بقوة الكارثة التي غدرت بنا كائناتها الصغيرة بروايتها وقصصها، أفلامها ومعلقاتها الشعرية مع تحليلاتها السياسية تشهد على مأساتنا وهي تردنا إلى مسار منكشف بالدفاع عن راجم البراميل بتحويل الأجساد للأفران البشرية بديلاً لدفء "الحضن الطبيعي".

إن المعركة باقية وقائمة شئنا أم أبينا بين الأخلاق ونقيضها في أي موقع، أو أي جزء من المجتمع مهما كانت الذرائع واللافتات التي تُرفع كسواتر تخفي الجريمة
إن المعركة باقية وقائمة شئنا أم أبينا بين الأخلاق ونقيضها في أي موقع، أو أي جزء من المجتمع مهما كانت الذرائع واللافتات التي تُرفع كسواتر تخفي الجريمة
 

يحدد العقل التائه مكانه في الحضن الوثير، نتائج منطقية لمرحلة انهيار الكائنات المنتمي لها أو التي تنتمي له، بممارستها المغيرة لشكل النظرة لها وهي تشكل لوحة كثيفة من الطبائع والأفكار والشروط المنهدمة فوق صدور الضحايا، تقفز أحلامنا العصية إلى أطراف المخيلة المتحققة من قداسة أيقوناتها، ملهاة معارضة وشخوص فلهوية في ذاتها الحاقدة متعددة الأوجه منافقة وطنجية خاوية الروح، متعبُ هذا العائد وبائس من تلاشي قداسته، لذلك نجده في كل المنصات المرتفعة عند جزمة الطاغية وجثث قتلاه، لا تخطئه بصيرته الطائشة على فوهات البنادق وبراميل الموت أن يعبر عن عويل مختلف أمام المتفرجين، وعن كينونة أخرى لم ترد في رواية تفصح عن ولادة أمة، أو بيت شعر يعبر عن وفاء لمسيرة من ضحى من أجل حريته، أو مشهد مسرحي أو لوحة فنية تضيء درب المظلومين.

في ثقافة القداسة والربوبية المنتمي لها عقل العائدون أو الحالمون بحضن الوطن، يختلط الاسى بالغضب والحزن والإحباط، تتردد فيهما فكرة أساسية نبتت في الثورة السورية وتجذرت تنبذ كل الانتماء المتحلق حول الجزار وتتحرر من متكآتها القديمة، فإذا كنا نرثي أحلامنا المكسورة فإننا نرثي معها تلك الكائنات التي عاشت معنا ذروة الأحلام وخذلتنا في واقع الثورات، المكتسب لأبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية، رؤى مغايرة لعقل "الطوشة" الذي غادر موقعه ومكانه من خلف الكواليس إلى خلف الآلة القاتلة منتجةً نوعا واحدا من ثمار القداسة للقاتل وهي تبدل قشورها التبجيلية والتبريرية ممثلة الجزء المخزي من مجتمع الفن والثقافة والسياسة والأدب.

بسبب وجود هذه الكائنات المنتمية "لقداسة" عقلية الطوشة الممثلجي أو الخامنئي القاتل، أو الأسد السفاح، وغيرها من فذلكات إحصاء فوائد حضن الوطن، فإن المعركة باقية وقائمة شئنا أم أبينا بين الأخلاق ونقيضها في أي موقع، أو أي جزء من المجتمع مهما كانت الذرائع واللافتات التي تُرفع كسواتر تخفي الجريمة، تثني على سكين القاتل مفتونة بعينه الزرقاء، وهو ما يستدعي وبشدة وحسم، مواجهة هذا التجريد الإنساني والقيمي والأخلاقي، الذي تعمل آلة المجرم على تكويمه فوق أنقاض البيوت والمدن والقرى التي يدمرها قديسو الوطن، وهم يجتهدون لطمس وحشية معبودهم، إضفاء بعض القداسة على الجريمة والمجرم لا يزيدهما إلا تفاهة وعاراً يُسقطان كل المحرمات والأيقونات السابقة واللاحقة لتقديس عقلها!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان