أكاد أنتحر

blogs الانتحار
"في النومِ يكمنُ مهربي، ألقي بجسدي مثقلًا خاملًا محملًا بخطايا الدنيا وذنوبِ الآخرة، أنتظرُ من شُباكِ غرفتي أشعة الصباح في حذر، في ولوجِها يومٌ جديد، وفي جديدهِ كدر وفي معظمهِ تفكيرٌ مطبقٍ وإحساسٌ مضنٍ بالعدمية وقلة الحيلة، أخالُ نفسي أقفُ على أحد الكباري المُطلةِ على النيل أو البحر، فأقفز قفزتي الأخيرة، لأستمرَ في سُباتي وأعيشَ في مكمني، هادئًا مثقلًا بذنبي فقط، لن أنتظرَ يومَها شعاعَ الشمسِ ليغزو عيني، أو أُفيقَ على صوتِ مُنبِه الصباحِ مُذكرًا إياي بقدومِ يومي الجديد المليء بالكدرِ والهم، أنا في حاجةٍ لإحساسِ الغرقِ الأخير، ولقوةِ الإقدامِ على الذنبِ الوحيدِ الذي لن أستطيعَ الندم عليه".
انقشع الصحبُ من حولنا، أطال رقبته وهمهم في يأس ماذا لو كان الانتحارُ حلًا! قالها بنبرةٍ يحدوها كفرانٌ بالأملِ وتوابعه، ويملؤها حنق وتبرمٌ وسخط على الكوكبِ بأسره، انتبهت لجدية حديثه متأخرًا كان الدمعُ قد بدا جليًا على وجنتيه، التصقت شفتاه بمبسمه يلتقط جرعةً من الدخان ليقتُلَه، ينفثُ سحابةً كثيفة أعلاه ثم انصرف، لم أنبس بكلمة ولم تش ملامحي بعلامات رضا أو سخط، رأيته بعدها أكثر من ثلاث مرات في الأسبوع ذاته، لم يكن الأمرُ حديثنا، لكنهُ ظل يشيرُ إلي بعلامات مفادها خذ بيدي، لا تذرني فردًا فأغرق، لم أستطع أن أفهم، لم أدرك في الوقتِ الذي كان علي أن أدرك فيه، لأن الأسبوعِ الذي تلاهُ تعرض صاحبي لمحاولة انتحار بشرب دواءٍ للمعدة جرعةً واحدة، وقتها ووقتها فقط أدركت أنه كان علي أن أدرك وأنه كان علي أن أتكلم، كان علي أن أقرأ ملامحهُ حتى دون أن يخبرني، ما بالك بأنهُ قد أسر لي وتكلم!

صديقي هذا يحفظ من القرآن أكمله، يصلي فروضهُ حاضرةً في ميعادها، يسرُ ببعض الصدقات أيام الجُمع، يظهرُ على سمتهِ الصلاحُ وإن كانت له بعض الزلات، هو مؤمن بأن الانتحار كُفر، هو يعلم بأن قاتل نفسهِ يائسٌ من رحمة الله، هو يدعو الله دائمًا وأبدًا أن يرفع همهُ ويفرج كربه، هو يزيد على الدعاءِ بألف.. هو يعلم أن الأمرَ مقترنٌ بالصبر، لكن أيوب كان نبيًا هو لا يقوى على ممارسة الصبر ولا الإتيان بطقوسه، نفد صبرهُ وقلت حيلته فطمع في عفو الله وإيقاف حياته.

أنا أيضًا تتملكني أحايين خوف، وساعاتُ حزنٍ وألم، وأيام كدر، فألبثُ لأعيش بيني وبينَ نفسي، أطبُق على أذناي بالنومِ ليلًا، وأخافُ آذانَ الصُبحِ معلِنًا سريان أشعةِ الشمسَ على نافذتي

أدركه الأهل مسرعين والصحب متلهفين، كنت أتوسطهم دون شك، حينما أفاق كان مطئطئًا رأسه مرتديًا علامات الخيبة والانكسار، أنا الآن أفشل مجددًا.. لم تحر شفتاهُ حرفًا.. قالت هيئتهُ كل ما أرادت روحُه أن تقوله، أفقنا من شرودنا على أنفاسٍ متقطعةٍ وقلب جريح "حمدًا لله على سلامتك!"، لأيامٍ تلت ذلك الحادث كنت ألهث الكلام من صديقي في نهم، ربما لم يعد للأمر جدوى لكن علي أن لا أقع في شراك الأزمة السابقة، صاحبي يسكن في حينا، يطيل المشي وحيدًا دون اهتداء.. صار بعد محاولته الأخيرة أكثر صمتًا، أقرب للعزلة من أي وقتٍ مضى، في الآونة الأخيرة انقطعت أخباره عني وعن بقية أصدقائنا تمامًا، يظهر ساعةً ويختفي أيامًا، غزى الشيبُ رأسهُ، وامتلأ وجههُ بتجاعيد الشيخوخة وهو لم يجاوز الثانية والعشرين، الجميعُ اعتزلوه، كُلهم.. إلا أنا.

لم يعد لاعتزالِه أو الاقتراب منهُ بد، هو فارقَ دُنيانا من يوم قرر وإن بقي جسدًا هامدًا تُحرِكه روحٌ مهترئة خاملة، وإن ادعى أنهُ بخير، كسرُه لم يجبُره الزمن ولن يداويه العدم، كفَرَ بالرضا ونسى كيف تكون السعادة فبقي كما هو!

صديقي هذا كثير، وحالي معهُ لم يكن غريبًا، وحياته أو موته قدر، لم يكن مثلي أو غيري ليقيه درنه، أو يمنع وصولَه، تملكهُ اليأسُ ووصلَ به العجزُ إلى النيلِ من نفسه، فداءً لروحِه الضائعة، فأفاقَ جمعٌ من محبيهِ على الحولِ دونَ ذلك، ماذا لو كانوا في الموعِدِ وأبطَلوا مفعولَ يده، ماذا لو شدوا على يديهِ ليبقى فبقي، ماذا لو لم يمت! أقصد لو لم يُنقطِع عن عالمنا بعزلتِه تلك ويُفصح!

أنا أيضًا تتملكني أحايين خوف، وساعاتُ حزنٍ وألم، وأيام كدر، فألبثُ لأعيش بيني وبينَ نفسي، أطبُق على أذناي بالنومِ ليلًا، وأخافُ آذانَ الصُبحِ معلِنًا سريان أشعةِ الشمسَ على نافذتي، التي مفادُها أن قد حانَ ميعادُ صِراعِكَ وصرعِك، أكادُ من فرطِ حُزني أن أسقُطَ أحيانًا وأحيانًا أكادُ أن أهذي، وأحيانًا أكادُ أنتحر، لكنني أعود بما أعرفُ عن ربي وبما أخافُه من كلامِه، لأني أهابُ أن أفِرَ من الحياةِ فأقضي أبدًا في نارِه، فأوثر أن أُكمِل في جحيمِ الدُنيا على أن أعيشَ في جحيمِ الآخرة!

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان