أعادتني هذه التصريحات إلى أول مؤتمر صحافي للرئيس الباكستاني الجنرال برفيز مشرف وذلك بعد أيام على انقلابه العسكري الذي قاده إلى السلطة في اكتوبر/ تشرين أول من عام 2000كنت أحد الصحافيين الذي حضر المؤتمر الصحافي والذي سعى من خلاله إلى التقرب الواضح من الأميركيين، بعد أن أطيح بسلفه رئيس الوزراء المنتخب نواز شريف المغضوب عليه أميركياً لاحتسابه على الإسلاميين، ودوره الإيجابي في حرب البوسنة لصالح المسلمين وغيرها من القضايا التي سلكها ولم ترق للأميركيين، بالإضافة إلى أن السياسة الأميركية ترى في الجيش وحزب الشعب الباكستاني بزعامة آل بوتو حصانها الرابح في باكستان..
جملتان لا تزالان ترنان في أذني حين الكتابة عن العلاقات الباكستانية ـ الأمريكية، الأولى جملة ريتشارد نيكسون من الخطير أن تكون عدواً لواشنطن، لكن الأخطر أن تكون صديقاً لها، أما الجملة الثانية فهي للرئيس الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق الذي لخص تجربته قبل مقتله في حادث تحطم الطائرة الشهير يوم 17-8-1988: "إن من يتعامل مع أمريكا كمن يتاجر في تجارة الفحم، لن يناله في النهاية إلاّ سواد الوجه واليدين".

الإشكالية الأولى لأمريكا مع باكستان تتمثل في قناعتها أن الأخيرة خدعتها في بناء ترسانتها النووية إبان الحرب الأفغانية، فبينما كان الرئيس الأميركي يشهد كل عام أمام الكونغرس بعدم سعيها لذلك مقابل الإفراج عن المساعدات الأمريكية السنوية المخصصة لها، كانت باكستان تواصل لعبة بناء ترسانتها النووية، واستمرت هذه اللعبة لسنوات، ما دامت واشنطن بحاجة إليها في مقاتلة الشيوعية في أفغانستان، وباكستان محتاجة لواشنطن من أجل غض الطرف أولاً عن بناء ترسانتها العسكرية والنووية تحديداً، وثانياً لحاجتها لها إلى صدّ الخطر الذي كان يتهددها يومها من أفغانستان الشيوعية..
كان الرئيس الباكستاني يومها محمد ضياء الحق يرسل الإشارات عن امتلاكه ولا زلت أذكر مقابلته الشهيرة مع الكاتب الهندي المعروف غلديب نيّر واعترافه له بأن باكستان لديها قنبلة نووية، ليجهض فكرة هندية ترددت يومها أن نيودلهي عازمة على تنفيذ هجوم على باكستان رداً على دعم الأخيرة للانفصاليين السيخ بإقامة دولة خالصتان، وقد نجح في ذلك حدث هذا عام 1984 وحدثني عن ذلك من رافق غلديب نير إلى ضياء الحق الصحافي مشاهد حسين الذي غدا لاحقاً وزيراً للإعلام ثم مسؤولاً رفيعاً في حزب موال لمشرف..
لكن الأمريكيين لم يكن بمقدورهم أن يفعلوا شيئاً تجاه باكستان وضياء الحق بسبب الحاجة إليهم في حربهم مع السوفييت، إلا أن ما فوجئ به الأمريكيون لاحقاً هو حجم تأثير الجهاد الأفغاني على المجتمع الباكستاني وبروز الجماعات الجهادية في كشمير بالإضافة إلى تنامي المد الإسلامي السياسي بدعم وتأييد ومناصرة من الرئيس حينها ضياء الحق..
على مدى تغطيتي للشأن الباكستاني فإن واشطن ترى نفسها مرتاحة في التعامل مع العسكر، بعيداً عن ضغوطات الشارع وعن المساءلة وعن البيروقراطية التي لا ترق لها في سياستها الخارجية، ولكن مع هذا تشعر أن العسكر الباكستاني ليسوا على هواها تماماً فقد كتب مسؤول مكتب ملاحقة أسامة بن لادن بالمخابرات المركزية الأمريكية يومها الجنرال مايكل شوير وهو الذي ألف غير كتاب أهمها "هوبرة أميركية" كتب يقول: "لا فرق لدينا في جهاز المخابرات الأمريكية بين جنرال باكستاني يحتسي الخمر وبين شيخ باكستاني يخطب من على منبره من حيث عداؤهما لنا".

الاتهام الأمريكي الحقيقي لباكستان بأنها تتسامح مع الجماعات الإسلامية المسلحة وعلى رأسها شبكة حقاني التي تقاتل الأمريكيين والتحالف الدولي في أفغانستان، بينما منغمسة في قتال جماعات إرهابية أخرى لأعمالها المسلحة داخل الأراضي الباكستانية، وهو ما يمنحها شرعية مكافحة الإرهاب أمام الأمريكيين والعالم كله.
لكن انحياز ترمب اليوم نحو الهند على حساب باكستان له تداعيات سلبية وربما خطيرة على الوجود الأمريكي في أفغانستان نظراً للحاجة الأمريكية إن كان من حيث المعلومات الاستخباراتية أو من حيث طرق الإمداد لقواتهم بأفغانستان عبر ميناء كراتشي. ونجحت في باكستان بإفشال المخطط الأميركي بعزلها فانبرت دولة كبرى مثل الصين على حدودها تعتبر حليفاً تقليدياً لها وهي التي تكفلت بالرد على الاتهام الأمريكي كونها ملاذ للإرهابيين، فقد أعلن الناطق باسم الخارجية الصينية" إن باكستان في الصفوف الأولى لمحاربة الإرهاب، ومن الغرائب السياسية أن تقف روسيا الحالمة بامبراطورية تقتات على النفوذ الأميركي إلى جانبها."
لكن يظل على الشاهد الصحافي أن يسجل إعجابه بالقدرة الباكستانية على التعاطي مع أشد الأيام حلكة وصعوبة في العلاقة مع الأمريكيين، لا تشعر أنهم في وضع مضطرب أو ينساقون إلى الطرف الآخر بسهولة، وإنما تظل الباكستان تسير على الحبل المشدود، بل وعلى حد السيف الأمريكي بذكاء..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

