وكلنا في هذا العمر مهاجرون

يمضي سجلُّ التاريخِ مُسطِّراً من الأحداث ما يزدادُ حيناً تلو آخر، وتبقى بعض الأحداث أكبرُ مِن أن تمرَّ عبثاً. هناك على مشارفِ مكة كانتَ المشاعر لا تنتهي أبداً، وكان الحدثُ أعظمُ مِن أن يمرَّ دونَ أن يُسطّر أو يؤرّخ؛ إذ كيفُ يحزِمُ المرؤ متاعهُ مُرتَحِلاً، وكيفَ يقِفُ عِنْدَ مداخِلِ الوطنِ مُلتَفِتَاً؛ ماذا تحمِلُ آخرُ النظراتِ للوطن؟ كَيفَ كانَ يودِّع بلادَه مُضطراً، وكيفَ كانَ ينبضُ قلبُهُ ما بينَ ألَمِ المهاجِرِ وأمَلِ المُسافِر؟ يصعبُ على المُحبِّ الرحيل، فالوطن رغم جراحه يبقى القلب معلقاً بربوعهِ. هناك، على مشارف مكة حيث الليلة التي يبدأ منها التاريخ، وكم تصنع آلامنا في عمرنا تاريخاً جديداً إن استطعنا أن نجعلَ منها خطوةَ بداية. 

علّكَ قرأت أحداث الهجرة مراراً وتكراراً، وعلّك استمعتَ لقصصها وإرهاصاتها مراتٍ عدّة؛ إلّا أنَ كلّ ما قرأت وسمعت سيغدو هباءً ما لَم تشرّع أبواب روحكَ لهذي الذكرى حتى تُحييكَ قبل أن تُحييها. قد تظهرُ الهجرةُ بادئ القول حدثاً بسيطاً لرجلٍ خرجَ من أرضهِ إلى أرضٍ أخرى ليحتمي فيها، فاستقبله النَاس هناك كأحسن ما يكون، فبدأ بناء الدولةِ ونشر الرسالة. سيبقى الحدث بسيطاً لا أهمية له على قلبك وحياتك ما لم تبحث عن نفسك في هذا الحدث وهذه الهجرة، ما لم تدرك أننا كلنا في هذا العمر مهاجرون، تضيقُ بنا الأحوال حيناً فنضطر أن نهجرها إلى أحوال أخرى؛ بعضٌ يضيق عليه وطنه وآخر تضيق عليه نفسه وغيرهُ يضيق عليه ذنبه، ترافقنا الهجرة مادةً أو معنى كلّما أردنا إصلاحَ أمرٍ جديد في حياتنا أو فيما حولنا. 

اصرف نظرَ تأملكَ عن حدث هجرةٍ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وانظُر لصعوبات العمر التي واجهتك، ستجدُ قلباً كأبي بكرٍ احتواك، لملم عليكَ غربتك، وبكى لأجلِكَ خوفاً، قلباً حاولَ أن يحميكَ يمنةً ويسرة، مرةً من أمامك ومرةً من خلفك، قلباً ارتوى عندما ارتويت، واطمأن عندما اطمأننت. في مصاعب العمر ستجدُ رجلاً فدائياً كعليّ، وروحاً معطاءةً كأسماء، وعدواً تنزّل عليه الخير فأصبح فيما بعد صديقاً كسراقة، ستجدُ وجوه كثيرة، وقلوب عديدة.. وجهٌ يخذلك وآخر يمسح عنك ألمك.. قلبٌ يتتبع عثراتك، وآخر يمحي عنك آثارك. وقبل كل الوجوه وكل القلوب، ستجد أعظم من ذلك كله، ستجد الله معك ومَن وجد الله فَأَنَّى للحزن أن يباشر قلبه! تخبركَ الهجرةُ ألّا تعتدّ بنفسك، أن تقبل العون، أن تستغل كلَ الطاقات، أن يبقى بجانبكَ ثلةٌ تؤمنُ بكَ وتعينك، وسيكون الواحد منهم ألفاً بل يزيد. 

لم تكن الهجرةُ ليلةً واحدة، بل هي تاريخٌ حمَلَنا وحملناه، هي حكايةُ قلبٍ ينتقلُ في العمرِ من موطنَ إلى آخر، يودِّع وجوهاً ويستقبل أُخرى. وما بين كل موطن وآخر حكايةُ معيةٍ مع الله

اصرف نظركَ إلى نفسك وأحوالك وابحث عن صدق همتكَ وإرادتك في الهجرة من حالٍ إلى أفضل، صعبٌ هو أمرُ الإصلاح على النفس، صعبٌ أن تتركَ صحبةً تؤذيك أو شراباً يفسدك، صعبٌ هو القرار بأن تصدق البحث عن الله أو أن تتخذ خطوات حقيقيةٍ لتطوير عملك وذاتك وإنجازك، يخبركَ حدث الهجرة بألّا تجزع، بأن تملك قلباً قوياً وعقلاً واعياً يُدركُ أن هناكَ خطوات لا تحتمل التأجيل لكنها تحتاجُ حُسنَ الإعداد. لم يخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة قبل أن يبذل كل الأسباب في مكة، وقبل أن يعدّ نفوساً تشبعت بالإيمان حقاً، وقبل أن يؤمّن في يثربَ نفوساً تملكُ نصرته ووفاء عهده ووعده، تخبركَ الهجرةُ أن تبذل الأسباب، أن تخطط وتفكّر، ألّا ترتجلَ الأحداث ارتجالاً، أن تتكل على الله قبل كل شيء وبعد كل شيء. تحدثك الهجرة أنّك إذا ارتحلتَ إلى أرضٍ فعليكَ أن تُنبِتَ فيها خيراً، وأن تُنير الأماكن بقدومك، وتسعدُ القلوب بمعرفتك، فهذا هو الهدي النبوي الذي عليكَ أن تقتفي أثره. 

لم تكن الهجرةُ ليلةً واحدة، بل هي تاريخٌ حمَلَنا وحملناه، هي حكايةُ قلبٍ ينتقلُ في العمرِ من موطنَ إلى آخر، يودِّع وجوهاً ويستقبل أُخرى. وما بين كل موطن وآخر حكايةُ معيةٍ مع الله وحكايةُ أخٍ صالحٍ لا يتركك، وحكاية إرادة وتخطيط يضبطُ لكَ أمرك. 

في كلّ ذكرى للهجرة النبوية أجدُ معنىً جديداً يضيفُ لي أبعاداً وأفكاراً، وفي كل ذكرى لهذه الهجرة أيضاً أخالُ ماذا لو أنَّ هذي الأرضَ جنة يجدُ فيها المرؤ ما يتمنى؛ لتمنيّتُ إذن جلسةً مع رسول الله أخبرُهُ ويُلهِمُني، إذ نشتاقكَ يا رسول الله بدراً يطلع علينا من ثنيات العمر، نشتاقكَ كشوقِ أحباب المدينة إذ تعاهدوا على نصرتك دون أن يروك، نشتاقُ أن نكون كبناتِ بني النجار إذ يخبرنكَ وأنتَ على أعتاب يثربَ بصوتٍ مليء بالحياة: نحبك يا رسول الله. 



حول هذه القصة

ما أسباب اختلاف هجرة النبي عليه الصلاة والسلام عن هجرة بقية الأنبياء؟ ما المقصود من وراء حديث لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية؟ ما هو هدف هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام وهجرة الصحابة رضوان الله عليهم؟.

أهمية الهجرة للمسلمين وعلاقتها ببناء المجتمع، دور المسجد في بداية الهجرة وتداعيات العصر، ثنائية الإسلام ومحورية فكرة الدولة الإسلامية، الجهاد وارتباطه بواقع الأمة ومقوماتها، الهجرة وتوثيق المواطنة للمسلمين وغير المسلمين، ربط الهجرة بتغيير واقع الأمة الحالي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة