من لاهوت التحرير إلى لاهوت الطاعة

تشهد منطقة الشرق الأوسط في اللحظة الراهنة صراعاً بين محاور سياسية ثلاثة هي محور إيران ومحور تركيا ومحور إسرائيل. ويضم محور إيران كامل الكتلة الشيعية في الجزيرة العربية، وهو ما يصبغه بالصبغة الطائفية. أما محور إسرائيل فيضم كامل الأنظمة التي وقفت علناً في وجه الربيع العربي، وأبرزها ثلاثة: النظام المصري، النظام الإماراتي، النظام السعودي، بزعامة إسرائيل. وأخيرا محور تركيا الذي يضم الأنظمة والجماعات الداعمة للتغيير الديمقراطي في الوطن العربي. ومن ثم فنحن أمام ثلاثة مشاريع سياسية في حالة تدافع، الأول مشروع طائفي، والثاني مشروع استعماري متحالف مع الاستبداد المحلي، والثالث مشروع التغيير من أجل الديمقراطية. ويصعب تفسير المشهد بتناقضاته من دون هذه المقولة. وبواسطتها أيضا يمكننا التنبؤ بمستقبل هذا الصراع.

      

بحساب الزمن تعد إسرائيل صاحبة أقدم مشروع بين هذه الثلاثة. فقد خططت وسعت للحظة التطبيع الكامل مع دول المنطقة منذ اللحظة الأولى لتأسيسها. وها هي قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من حلمها التاريخي الكبير، حلم الدولة اليهودية المستقرة في أرض الآباء والأجداد كما تقول. بعد أن قررت أنظمة الثورة المضادة للربيع العربي التحالف معها ضد شعوب المنطقة. ويأتي المشروع الطائفي الإيراني في المرتبة الثانية من حيث زمن الظهور، فقد كانت الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيات بمثابة البذرة الأولى له. وكان سقوط النظام القومي في العراق بمثابة سقوط السد الحاجز لجحافل يأجوج ومأجوج الطائفية. أما مشروع التغيير من أجل الديمقراطية بزعامة تركيا فهو آخر هذه المشاريع ظهوراً، إذا ما اعتبرنا أن المقصود هو المشروع المؤيد بنظام سياسي حاكم.

             

لقد أظهرت ثورات الربيع العربي بصورة لا لبس فيها خطورة لاهوت التحرير، الذي تتبناه جماعات الإسلام السياسي، على مستقبل الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي ومستقبل إسرائيل. وهو ما دفع الطرفين إلى الإسراع في مواجهة هذه الجماعات ومن يقف خلفها من الدول والأنظمة

        

والمشروع الأكثر إشكالاً وتعقيداً بين هذه المشاريع الثلاثة هو مشروع الاستعمار الإسرائيلي المتحالف مع الاستبداد العربي. ومظاهر الإشكال والتعقيد فيه هي نفسها نقاط ضعفه، التي تمكننا من التنبؤ بنهايته قبل غيره من المشاريع. وأول تلك المظاهر غياب التجانس بين مكوناته. فنحن أمام تكتل سياسي لا تجمعه أي مقومات ثقافية أو دينية أو مذهبية، على عكس المشروعين الآخرين. وثانيها أنه مشروع بلا جماهير، باستثناء الجمهور الإسرائيلي! أما الأنظمة العربية المنخرطة فيه فلا تمثل إلا نفسها، وبعض النخب العربية المعزولة. وثالثها أنه تحالف بلا أفق، بل بأفق مسدود إذا توخينا الدقة. ذلك لأن تحالف الاستبداد مع الاستعمار لن يخدم إلا هذا الأخير على المدى المتوسط والطويل. أما أنظمة الاستبداد فستجد نفسها وقد أصبحت معزولة عن قواعدها الشعبية، أو في حالة صراع مع مختلف القوى الاجتماعية المحلية، قد يؤدي إلى انهيارها. ويبدو أن أنظمة الاستبداد تدرك هذه الحقيقية ولهذا تسعى بخطى حثيثة لإحداث تغيير شبه جذري لثقافة المجتمعات التي تحكمها. أقول شبه جذري لأنه لا يستهدف تغيير الثقافة والفكر من منظور علمي إصلاحي، وإنما يستهدف على وجه التكثيف، تغيير الفكر والثقافة الإسلامية الراهنة من ثقافة وفكر لاهوت التحرير إلى ثقافة وفكر لاهوت الطاعة!

             

لقد أظهرت ثورات الربيع العربي بصورة لا لبس فيها خطورة لاهوت التحرير، الذي تتبناه جماعات الإسلام السياسي، على مستقبل الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي ومستقبل إسرائيل. وهو ما دفع الطرفين إلى الإسراع في مواجهة هذه الجماعات ومن يقف خلفها من الدول والأنظمة. وفي هذا السياق تأتي سياسات القمع والاعتقال والقتل والتضييق على جماعات الإسلام السياسي من ناحية، وسياسات العداء لكل من قطر وتركيا من ناحية ثانية. وفي هذا السياق أيضاً يأتي المخطط الأمريكي السابق لثورات الربيع العربي، الرامي إلى استبدال الإسلام الصوفي بالإسلام السني المعتدل. وهو الأمر الذي بات مكشوفاً ومعلناً من قبل الصوفية أنفسهم. فبعد أن نشرت المواقع الأمريكية قبل سنوات أخبار الوفود الصوفية الإسلامية التي تحج إلى أمريكا، لعقد مؤتمرات حول التطرف الإسلامي وكيفية معالجته. خرج علينا قبل مدة مؤتمر صوفي في السودان يعترف بحصول اتفاق تاريخي بين الجماعات الصوفية من ناحية، والإدارة الأمريكية، بكل مستوياتها، من ناحية ثانية.

                     

السؤال الذي تبدو إجابته جاهزة، هل سينجح محور إسرائيل في تغيير العقيدة السياسية للمجتمعات في شبه الجزيرة العربية ومصر؟ على الأرجح فإن دول هذا المحور ستتهاوى قبل أن يحدث هذا التغيير المنشود!
          

ينص هذا الاتفاق على ضرورة التعاون بين الطرفين، بحيث تعتمد الولايات المتحدة الإسلام الصوفي بديلاً للإسلام السني المشاغب. وهي الخطوة التي سبق إلى تطبيقها النظامان المصري والإماراتي من قبل. فالتصوف هو الإسلام المدلل في هذين البلدين. بل هو المذهب الوحيد المسموح له بالانتشار داخل الثكنات العسكرية المصرية، كما قال ثروت الخرباوي في كتابه سرّ المعبد. وهذه الحقيقة هي التي تحل لغز الدور الذي تقوم به شخصيات مثل المتصوف على الجفري، والمتصوف علي جمعة، وعلاقة الأول تحديدا بكل من الإمارات، ومصر، وإسرائيل التي زارها في وقت سابق. ومساهمتهما في التحضير لمؤتمر جروزني الشهير الذي رعاه الرئيس الشيشاني المتصوف رمضان قاديروف، ونظمت له كل من الإمارات ومصر. بهدف إعادة تعريف مصطلح أهل السنة والجماعة، وإخراج الإسلام الوهابي والإسلام الإخواني من دائرة أهل السنة والجماعة.

          

والسؤال الذي تبدو إجابته جاهزة هو: هل سينجح محور إسرائيل في تغيير العقيدة السياسية للمجتمعات في شبه الجزيرة العربية ومصر؟ على الأرجح فإن دول هذا المحور ستتهاوى قبل أن يحدث هذا التغيير المنشود. نقول ذلك استناداً إلى حقيقتين، الأولى هي أن خطة التغيير التي تبناها هذا المحور تفتقر إلى شروط النجاح الضرورية. وفي مقدمتها شرطا المعقولية والعلمية. فالخطة التي تعتمد على كبت الأنفاس وإعلان الحرب على مكون اجتماعي وسياسي كبير كالمكون الإسلامي السني، هي بالضرورة خطة غير منطقية وغير علمية. والخطة التي تستبدل خطاب لاهوت التحرير بخطاب لاهوت الطاعة لن تصمد في مجتمعات تعتقد نخبتها أن الاستبداد، وليس الخطاب الديني، هو جذر مشكلاتها الاجتماعية والحضارية. أخيراً، لا يمنع صراع المحاور هذا من تعاون محوري تركيا وإيران لمواجهة المشروع الثالث.



حول هذه القصة

يتفاعل ناشطون عراقيون وعرب على وسم #إيران_تحتل_الموصل، وذلك على خلفية افتتاح إيران مدرسة لها في المدينة تحمل اسم الإمام الخميني، حسب الصورة التي نقلها الناشطون.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة