قادتنا والمقر صفر

أرخت الشمس أشعتها الحارقة التي حملت الكثير من الحقد على بلدة رام حمدان، البلدةُ التي سُطرت بها أشقى أيام ثورتنا على الإطلاق، أغلقت أسواقها، أبعدت أبناءها، أجلست نساءها؟ وأسكتت أطفالها، حتى عمَّ الهدوء والسكون كلَّ أطرافها، إلا "المقر صفر" الذي دخله أقمار الثورة الشامية حاملين بيمناهم رأياً صواباً، قد سدده الله للحق بعدما رأى من اجتماعهم وتعاضدهم كالبنيان المرصوص أما شمالهم، فقد اشتغلت بالتهيئة لمرحلةٍ تُبكم أفواه المخذلين، وتُنطق الأبكم من هول التغيير، وتُعيد البصر لصاحب النظر الذي افتقد البصيرة وأضاعها بين أيدي المرجفين، يومٌ ليس كباقي الأيام، وكأنما الزمن توقف عنده لبرهةٍ فأعطاه من جُلِّ ألمه نفحات، ومن كثير حزنه دمعات، ومن عظيم شقائه عبرات، ففاض ذلك اليوم التعس بالآهات.

  

الله أكبر.. الله أكبر.. ذلك النداءُ الإلهي الذي أُطلق لحظة سماع دوي الانفجار، بل لحظة سماع خبر استشهاد قادتنا الذين آثروا الرحيل عن هذه الديار لخير دار حيث لا صخب ولا وصب بعد اليوم، لم يستطع أحدٌ منهم أن يترك أخاه حتى في ذلك الوقت الذي جمعهم بالموت يخيل إليّ أن اجتماعهم كان معه لم يخافوا منه بل صغُر واضمحل أمامهم، أصبح قزماً صغيراً أمام عملقة مبادئهم، وعظمة أفكارهم، استقبلوه وتهيأوا له جعلوا من أنفسهم سداً منيعاً في وجه كلِّ ما يُرهب هذا الشعب، لكن الموت وبطبعه الغدار وبسِمتِه بأخذ الطيبين الأطهار، تخطّف أرواحهم، وهم ما زالوا يبتسمون له، بطيبةٍ جعلها الله فيهم، فكللتهم بذاك الزي النوراني الذي منحهم قلوب جميع الصادقين، ودعوات المحسنين، وابتهالات المؤمنين، ورفعت من أجلهم أكف المتضرعين.

  

إن الجُرح الغائر والنزف الثائر الذي خلفوه في جبين الثورة الشامية، لم يكن ليندمل ويشفى على ممر السنوات، ولكن الإرث المتبقي كان هو العزاء الوحيد، إرث الأفكار والمبادئ التي أبتْ أن تُدفن معهم، أن ينهال عليها التراب، أن تموت، لا، إن الأفكار والقضايا تخلُد بطبيعتها السامية، لا تطالها أيدي الغادرين، ولا انفجارات الحاقدين و رصاص المتآمرين، بل تسمو بعيداً، لتحط رِحالها في أصحاب الهمم الكبيرة، والعزائم العظيمة، لتُنقل المهام، وتُعيد الآمال، وتُدفن الآلام، نهضت حركتنا الشعبية نافضةً عن كاهلها غبار ما حلَّ بها وقفت حينما آمل جميع المتخاذلين أن تكون جاثية، ابتسمت حينما ظن المرجفون أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، إن حركةً مثلها قامت بجهود أشخاصٍ مباركين لن تموت بفقدانهم، بل تخلدُ ببقاء منهجهم السليم وفكرهم العظيم المرصع بإنسانيتهم الوضاءة بكل خير.

  

الراية التي تركها أبا عبد الله الحموي تقبله الله أمسكها غيره وجعل من سابقه عنواناً له، تتالت الأسماء، وتباين الأشخاص، واختلفت الطرق وتجددت الدماء، لكن مبادئ قادتنا خلدت في أرواح أبناء الشام

كيف يُخيل لأصحابِ المصالح الفاسدة، وتجار الروح، وأدعياء الدين، أن الحق يموت أن الصواب يُدفن مع أصحابه خسِئت أفهامهم وعقولهم التي هيأت لهم ذلك؟ إن الحق يضعُف ويهن، ولكنه لا يموت، بل هي حقباتٌ وفترات، فمن قوةٍ إلى ضعف ومن ضعفٍ لعظمةٍ لا يليها انكسار، هكذا صُقلت مبادئنا التي خلفنا فيها شموس ثورتنا التي كُسفت لكن نورها لم ينطفئ، بل بقي متوهجاً متألقاً ينير الدرب لمن تبِعهم بإحسان، ويحرقُ من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من شرٍ لأهل الشام، فإن الله عز وجل يهبُ معاركه القاسية الحاسمة لأقوى جنده وأكثرهم صدقاً وإخلاصاً وتورعاً بالدماء فيكون حاملاً لراية القضية متخِذاً من وسطية منهجه سيفاً يُقارع به سيوف الباطل وأتباعه، جاعلاً من مبدئه درعاً يدرأ به سموم المخذّلين وأسقام المرجفين، فإن قُبِض وأصطُفي إلى الله ما انقلب أتباعه على أعقابهم، بل زادتهم شهادته تماسكاً وثباتاً على الحق وقوةً وجلادةً على الباطل، نعم، إن قادتنا خيرُنا وأخيارنا، وما تبقى منهم، أعظم ما فيهم، من صوت المبادئ الصادحةِ بالاستقامة والنجاة، ذلك الصوتُ العابر للأزمنة متجاوزُ الأمكنة، هو نفسه صوت الفاروق رضي الله عنه وأرضاه.

  

"يا سارية.. الجبل.. الجبل" 

 

صوت المبادئ والفكر القويم الذي انتشل ثورتنا من مستنقع النخبوية إلى العامة الشعبية، حيث الوطن للكل والكل للوطن "يا سارية.. الجبل.. الجبل" إبانةُ وسيلة النجاة والأخذ بالأسباب وتوكلاً على الله يعقبُه الانتصار، في ظل سلامة الجبل الذي نأوي إليه كلما ضاقت بنا، جبلُنا الأشم الذي بُني بدماء قادتنا، وبتضحيات أمرائنا، فكان الملاذ الآمن من إفراط أو تفريط "يا سارية.. الجبل.. الجبل" نداءٌ خالد ورسالة سماوية، يتوارثها ذوي الهمم منا في كل زمان، ليصحبوا أصحاب الألباب في رحلة الانتصار للدين والمعتقد، في رحلة بناء دولة مؤسساتية على أسس بعيدةٍ عن الغلو والإرجاء.

  

معركة سارية رضي الله عنه وأرضاه انتهت بالانتصار ومعركتنا، لم تزل معركة فكر ومبدأ قبل أن تكون معركة للدماء، التحق بركب قادتنا الكثيرون كلهم ارتقوا إلى أعلى الجنان، وتركوا الأهل والأحباب في سياط الحنين والغياب يتألمون ويألمون، وعلى أمثالهم فلتبك البواكي ولتدمع المقل، لكن الشام التي أنجبتهم كانت قادرة على إنجاب خلفٍ لهم، يماثلونهم في العطاء والتضحية والإيثار، فالراية التي تركها أبا عبد الله الحموي تقبله الله أمسكها غيره وجعل من سابقه عنواناً له، تتالت الأسماء، وتباين الأشخاص، واختلفت الطرق وتجددت الدماء، لكن مبادئ قادتنا خلدت في أرواح أبناء الشام جنداً وقادةً وأتباعاً تركت في كلٍّ منهم ومضةً ولمحةً وبصمةً لا يمحوها أثر الزمان بل تُسيرهم في جمعٍ مهيب على طريق الحق، طريق الانتصار، هناك حيث تكثر المعطيات، وتتعدد الظروف والحيثيات لكنهم يمضون واثقين بأن رب الشام قد تكفل بهم، فلا خوف ولا ضير يقع عليهم .



حول هذه القصة

اندلعت مؤخرا مواجهات بين فصيل جند الأقصى وحركة أحرار الشام بسوريا إلى أن أعلن الفصيل انضمامه لجبهة فتح الشام، فيما تصر الحركة على مواصلة “استئصال” الفصيل المتهم بولائه لتنظيم الدولة.

سيطرت هيئة تحرير الشام على مدينة إدلب (شمالي سوريا) إثر انسحاب حركة أحرار الشام من مواقعها بعد يوم من اتفاق أوقف المعارك بينهما. وبالتزامن هز انفجار المدينة أوقع قتلى وجرحى.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة