ضائعون في غياهب السجون

إن ليلة واحدة في المُعتقَل لا تكفي ضابط الأمن لبثِّ كل حقده في أجساد المعتقلين؛ لذا كان عليه أن يجرّهم من نواصيَّهم إلى حيث غياهب الموت، هناك حيث العالم الذي لا يموت فيه المُعتقل ولا يحيى.
 
في تلك الغياهب تتهيأ قصة الموت لتروي نفسها بين جدران السجن الصامتة، جدران مُحنَّاة بدماء طاهرة، كلما جعلت تجفُّ في الجدران سالت من جديد؛ كي تقول لحارس السجن: إن هذه الدماء تغسل ما تبقّى من شرفكم.
 
لا تكفي دماؤهم أن تكون شاهد على حضورهم، بل إن نحيب أصواتهم يروي قصة عذاب جديدة كتبتها باحة السجن، باحة يغيب عنها الصمت والسكوت، إنها رواية بطلها ضابط أمن لو وضع قدمه في ماء البحر لنجّسه كله، فكيف إذا وضعها في باحة سجن؟ 
 

لا تنتهي الرحلة عند صوت السياط فحسب، فقد كان لابد للمعتقل أن يجهّز نفسه لمراحل من الغيبوبة تبدأ بتعليقه في سقفٍ يقطر دماء مَن سبقوه

تبدأ رحلة الغياب عن عالم الأحياء بسماع صوت خطوات الضابط من بعيد وهي تقترب رويداً رويداً من زنزانة العذاب؛ هنا يكاد قلب المعتقل أن يُسمعَ نبضهُ من شدة الخوف، حتى يهتزُّ بدنه فجأة؛ بسماعه صوت بوابة الزنزانة وهي تُفَكُّ أقفالها للخضوع في رحلة الموت الأليم.
 
ملامح الذعر والهلع الشديدين في وجه المعتقل، لا يمكنها أن تغفر له أبداً، فهذا الأمر بات مستحيلاً، ولا سيّداً للموقف في تلك الغياهب، إنه قدم للتلذذ بتعذيبه لا ليغفر له ويرحمه .
 
إن محاولة الضابط لإثبات وجوده يختصرها بعبارة: "بدك حرّية قلتلي؟"، إنها تبدو وكأنها فاتحة رحلة الغياب والموت في تلك السجون، فعندها يوّدع الصمت ذلك المكان وداعاً مؤقتاً لا كلّياً؛ حتى لا يموت المعتقل من أول ليلة؛ لأن ليلة واحدة فقط لا تشفي غليل ضابط الأمن. 
 
فحين يزرع السياط نفسه في صدر المعتقل؛ تُسمَعُ قهقهة الضابط في عامة الباحة؛ ظناً منه بأنه يثبت رجولته في غياهب الموت والعذاب، ومنذ متى كانوا رجالاً حتى يثبتوا رجولتهم؟ 
 
لا تنتهي الرحلة عند صوت السياط فحسب، فقد كان لابد للمعتقل أن يجهّز نفسه لمراحل من الغيبوبة تبدأ بتعليقه في سقفٍ يقطر دماء مَن سبقوه، ومن ثم ضربه بالسياط والهراوات إلى أن تأن ساعة الغيبوبة التي تعلن عن انتهاء الليلة الأولى. 
 
ليست أول ليلة في المعتقل كباقي الليالي الآتية، ففي كل ليلة ينتقل السجين إلى مرحلة غيبوبة لا تشبه التي قبلها، إنها أدهى وأمرّ؛ حتى لا يتردد عن قول عبارة: يا ليتني مِتُ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيّا في كل ساعة يشرب فيها الكأس ذلاّ.
 
تمضي ليالي السجن واحدة تلو الأخرى، وتحمل في طيّاتها قصص لا يستطيع أن يصدّقها العقل البشري، وحتى التاريخ لا يكاد يستوعب فظاعة ما يحدث بين جدران المعتقلات الملّطخة بالدماء، إنها السبيل المُختصر للعبور في رحلة الموت البطيء. 



حول هذه القصة

كشفت مصادر حقوقية عن حملة اعتقالات لمسؤولين ومثقفين بالسعودية، واعتبرت منظمة العفو الدولية أن اعتقال السعودية ناشطيْن حقوقيين في السابق يعد ضربة قاتلة لحقوق الإنسان، وأن البلاد تشهد فترة مظلمة.

يواجه مرضى القصور الكلوي بمحافظة درعا (جنوب سوريا) خيارين لتلقي العلاج وجلسات غسيل الكلى: أحدهما الاعتقال عند الخروج لمستشفيات المنطقة الخاضعة لسيطرة النظام السوري، أو الانتظار أمام أبواب المشافي الميدانية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة