شعار قسم مدونات

خلقت المرأة من ضلع أعوج!

blogs المرأة والرجل

إنهم يتكئون على نصوص دينية في بذائتهم وفي تجريد الآخر من كل ما له من حسنات، أأتى الدين ليكون مبررًا لمثل هذا سلوك؟! أأتى ليكون منطلقًا لأمثال هؤلاء يتمسحون فيه وينسبون له ما ليس فيه؟! إجابة قطعية لا، الدين جاء ليُعلي من قيمة الإنسان وليضعه في مصافٍ يستحقها من الرفعة والشأن، جاء لينتشِلَهُ من انتكاسات الرغبة ومحدودية الجسد إلى مساحات رحبة من المعاني والقيم والأخلاق، تخيل معي إن ألقينا بكل هذه المرامي وراء ظهورنا واخترنا من الدين فقط أن يكون مجرد تبرير يدعم موقفنا ويثبت أقدامنا ونحن نعتدي ونهتك ونبارز ستر المنطق والعقل.

 

ليس كلامًا حين نشير إلى المكانة التي أولاها الإسلام للمرأة، لكن تلك المكانة لا ينفك كثير من الجهال الطعن فيها ونفيها، وهم في هذا يستغلون بعض التفاسير التي جاءت كأثر لبعض النصوص الدينية، يستغلونها في النفاذ إلى مثل هذا طعن وإلى مثل هذا تقليل، حيث يرون في المرأة مجرد بلهاء ناقصة لا يمكنها أبدًا مجاراة الرجل في المجالات المختلفة، الرجال مُفضلون لدى ربهم وإسرائيل شعب الله المختار، لا أعتقد أن الفارق كبير بين المنطقين، فكلا الدعوتين هي حصر لفضل ما في طائفة معينة من خلق الله، وهذا مما ينافي عدل القدير.

 

إن العوج ليس وصفا متأصلا في المرأة، بل للرجل أيضاً حظ وافر منهُ وربَّ عوجٍ تراه المرأةُ في الرجل، فعليها أن تغيرهُ وتصبر عليه والعكس أيضاً

الحديثَ الشريف ورد عن أبي هُريرةَ – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: (المرأة كالضِّلَع، إنْ أقمْتَها كسرْتَها، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عِوجٌوفي رواية أخرى للبخاري كذلك (استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا، فإنَّهنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلع أعلاه، فإنْ ذَهبتَ تُقِيمه كَسَرْتَه، وإنْ تركْتَه لم يزلْ أعوج، فاستوصُوا بالنِّساء خيرًا).

 

لم يقرر الحديث يوماً اعوجاجاً أو طبيعة عوجاء للمرأة، إنما شرح وأرسى شكلاً ودوداً للتعامل مع ما قد يراه الرجل من وجهته عوجا بدليل أنه لا يمكن أن يُؤخذ من هذا الحديث أن الحق  دائما وأبداً مع الرجل فيما يختلفُ فيه مع المرأة، كما أن المرأة كما الرجل مأمورةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى وإن وقع ذلك من رجل، وهذا يعني أن العوجاء قد تقوّم أعوججا، خاصة إن فسّرنا العوج بمعنى القصور، وهو مما يشتركُ فيه الرجال والنساء، فلكلٍ منا نصيبُهُ من العوج، فلها -مثلا- أن ترد عليه وأن تصوّبه فيما ترى أنه قد حادَ فيه عن الصواب، أي اعوجَّ فيه.

 

وهذا يعني أن العوج ليس وصفا متأصلا فيها، بل للرجل أيضاً حظ وافر منهُ وربَّ عوجٍ تراه المرأةُ في الرجل، فعليها أن تغيرهُ وتصبر عليه والعكس أيضاً، وأن تستمتع به وإن كان أعوجا، تماما كنصيحته -عليه الصلاة والسلام- للرجل سواءً بسواء. ومن دلائل كون العوج مجازي لا حقيقي أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، لم يأمر تقويمه وإصلاحه إن كان لهُ أصل، بل أمر بالصبر عليه وقبوله خصوص:

 

ومن تطلّبَ خِلا غير ذي عوجٍ .. يكنْ كطالب ماءٍ من لظى الفحم

فالحديثُ إذن يقرّرُ آدابا وأخلاقيات ولا يخبر عن حقائق في أصل التكوين البشري بين الجنسين بأن أحدهما معوجٌّ فطريا والآخر ليس كذلك، وهذا مما تقررُهُ عمومات الخطاب الربّاني الموجّه إلى الجنسين كليهما، فالمؤمنون والمؤمنات -في التكليف والجزاء والثواب- سواء.

إن التقليل الحاصل في حق المرأة وكونها درجة ثانية بجوار الرجل هو أمر يندى له جبين الدين والمنطق والحياة!، أمر لا يصدر إلا من ألسن لم تدرك بعد مغزى هذا التقسيم ووجوده

كل ميسر لما خلق له، والتساوي الذي ندعو إليه في مضمار الحديث عن الرجل والمرأة ليس تساويا في شيء إلا في منظومة الثواب والعقاب، "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"؛ لم تحدد الآية بذكر جنس أو لون وإنما جاءت عامة مرسخة ما يجب أن نعتقده على الدوام، وهو أننا جميعا أمام ميزان الله متساوون لا فرق أبدأ بيننا إلا بتقواه وحسن عملنا وديمومته.

 

مخطئ من يطلق هذا التساوي ليشمل كافة الأمور، فالاختلاف بين الرجل والمرأة هو أمر راسخ لا يقبل النقاش، أقرته يد الخالق عز وجل حين قسمتنا ذكورا وإناثا، لكلا منا قدرته وجاهزيتها للتعامل مع الحياة، لكل منا دوره الرئيس والفاعل الذي لا يتخلى عنه، بجوار هذا تبرز كثير من المساحات التشاركية التي يمكن لكلا الطرفين أن يصبا جهودهما فيها بكل تنافسية ونبل لا يؤثر في ذلك كونهما إناثا أو ذكورا.

 

من هنا فالتقليل الحاصل في حق المرأة وكونها درجة ثانية بجوار الرجل هو أمر يندى له جبين الدين والمنطق والحياة!، أمر لا يصدر إلا من ألسن لم تدرك بعد مغزى هذا التقسيم ووجوده، فتقسيمنا إلى جنسين لم يأتي ليبعث على المقارنة، لم يأتي ليرفع من شأن هذا ويحط من شأن الآخر؛ وإنما أتى ليقر التكامل ويرشدنا إليه، كعنصري كمياء أكسجين وذرتي هيدروجين لا وقت للمقارنة بينهما ولا مسوغ وإنما الوقت لاتحادهما لينتجا لنا الماء، فليتنا نعي!