حوار طرشان

في "حوار الطرشان" لا مكان للعقل والمنطق، بل اتباع هوى القلب والرغبة في الانتصار هي ما يحركنا أمام الآخر، للرد عليه والانتصار بآرائنا، فنسد كل مداخل العقل من حواس سمعية وبصرية، ونبقي منافذاً تغذي رغبة نفوسنا بالانتصار الصفري، إذ لا مكان للآخر فيه، ولا نبقي له باقية.

 

اختلاف زوايا النظر في مختلف القضايا يخلق إدراكاً مختلفاً لدى كلٍ منا، مما يجعلنا نبني آرائنا وتصوراتنا بطريقة تختلف عن الباقين، ويجعلنا مختلفين عنهم، وهذه طبيعة بشرية. وليس المطلوب إلغاء تصورات الآخر، بل فهم موقعه وزاوية نظره للموضوع، والتعرف على المدركات التي أوصلت به إلى هذه النقطة.

 

عالم الأفكار مرتبط بشكل مباشر مع عالم المشاعر، ويؤثر أحدهما بالآخر، فالفكرة الجديدة تتلقفها مشاعر تولدت سابقاً، والمشاعر الجديدة تسحب معها أفكاراً جديدة لا تلبث أن تتحول إلى قناعات راسخة، وهذا ما يزيد صعوبة تغييرها مستقبلاً، إذ نحتاج إلى لعب بالمشاعر وتغيير لها مرة أخرى للوصول إلى القناعات الدفينة أسفل منها.

قبل الطلب من الآخرين أن يفهمونا يجب أن نفهمهم، ونوصي أنفسنا بالإصغاء الجيد لهم بدل إشغال الذهن بالتفكير برد يقصم رقبة أفكارهم أو القضاء عليها

 

في كثير من النقاشات ننسى الخلفيات والتراكمات الثقافية التي بنيناها وبنيت معنا على طول السنوات الماضية، ونحاكم الآخر كما لو أنه عاش تجربتنا وجلس في كرسينا طوال تلك الفترة. الانتباه إلى اختلاف نقاط الإدراك وآلية معالجة المدرَكات يعالج كثيراً من الاختلافات، ويقرب المسافات، بغض النظر إن توافقنا في النهاية أم لم نتوافق، إذ يكفي احترامنا لمعتقدات غيرنا وتقديرنا لآرائهم وأفكارهم.

 

كم منا عاش تجربة حوار لم يرد المقابل له فيها أن يتحدث، فضلاً عن أن يسمعه ويصغي إليه بشكل جيد، بل كان يشغل فكره وباله بتقليب أفكاره وتدويرها ليبحث عن نقطة مركزية يحولها إلى قنبلة نووية يقصف فيها مقابله وينهي النقاش لصالحه! كم مرة استمعنا لنفهم المقابل، وندرك أبعاد فكرته؟ فلعله بدأ من نقطة صحيحة أو انتهى إلى نقطة تجمعنا، وكم مرة تحدثنا بروية وهدوء لنوضح أفكارنا ونشرحها بطريقة أفضل من الهجوم والقصف؟ كم مرة قلنا: "هذه وجهة نظري" أو "هذا ما أراه"، بدل أن نقول: "الأمر هكذا بلا نقاش"!

 

لا يوجد وصفة سحرية تحول نقاشاتنا إلى حوارات بناءة وهادفة! بل هناك سلوكيات سيئة لا بد أن نتخلى عنها أولاً، وسلوكيات جيدة علينا تبنيها

كم من نقاش كان مساحة متبادلة للأفكار والآراء وتنوير للعقل بدل أن يكون ساحة حرب وصراع وخلاف؟ في النقاشات الفكرية لا يوجد معارك صفرية، يفوز فيها الأول وينتهي فيها الآخر، فهذا محال! بل فيها أفكار متناقضة تقف في وجه بعضها الآخر، وتتعارك، وتتقدم وتتأخر، وربما تتحد للوصول إلى فكرة جديدة لم تخطر على بال أي منا من ذي قبل.

 

لا يوجد وصفة سحرية تحول نقاشاتنا إلى حوارات بناءة وهادفة! بل هناك سلوكيات سيئة لا بد أن نتخلى عنها أولاً، وسلوكيات جيدة علينا تبنيها، فقبل الطلب من الآخرين أن يفهمونا يجب أن نفهمهم، ونوصي أنفسنا بالإصغاء الجيد بدل إشغال الذهن بالتفكير برد يقصم رقبة أفكارهم. وبدل التفكير بالقضاء على أفكارهم، علينا أن نشغل أذهاننا فيها قليلاً، ونفتح المنافذ لها لتعبر إلى أعماق عقولنا، فنقلبها وندرسها ونجلس على كراسي من اعتنقوها قبلنا، فلعلها تكون فتحاً جديداً لنا.

 

فكم من فكرة مرت من أمامنا ولم نعبئ بها، لنجد أنفسنا من الداعين لها بعد سنوات، وكم فكرة فقدنا السبق في اعتناقها لأجل أن نرضي نزوات قلوبنا وأهوائنا! فالموضوع بسيط، سلوكيات حوار جيدة تؤدي إلى حوارات جيدة، وإلا فوفر على نفسك الوقت والجهد وضغط الأعصاب!



حول هذه القصة

يعمل المهندسون والسياسيون بشكل متزايد على تطوير السيارات الكهربائية التي يطلق عليها “المركبات النظيفة”، وهو مصطلح يمكن أن يكون مربكا ويحجب التلوث الذي تولده هذه السيارات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة