تركيا العهد الجديد.. نحو التصالح مع الهوية الإسلامية

فشلت التجربة الكمالية في وأد هوية الأتراك التي عاش عليها أجدادهم. فبعد كل القوانين والإجراءات والتدابير الصارمة التي صناعها مصطفى كمال أتاتورك وحزب الشعب الجمهوري وكل من حكم بعده، من أجل تهميش الإسلام وإبعاد الأتراك عنه صغيره وكبيره، وفي جميع مناح حياتهم وفرض تفاصيل الحياة الغربية عليهم فرضا، فشلت التجربة الكمالية المتوحشة في القضاء على مقاومة وصمود غالبية الشعب التركي في التنكر لدينه وحضارته وتاريخه وتقاليده التي قاد بها العالم لقرون.

تنكر أتاتورك للهوية الإسلامية فكرا وممارسة ومرجعا، وتأسيسه لنظام ديكتاتوري يدعي التقدم والحداثة، ويتبنى علمانية إقصائية صلبة تؤمن بالقوة والإكراه نهجا لفرض أفكارها ورؤاها على الشعب التركي، ومبالغتها في فصل الدين عن الدولة والسياسة، ومنع كل مظاهر التدين وجرمتها، ونصب العداء لكل ما له صلة بالإسلام دينا وحضارة، كل هذا التعسف والظلم الذي عاشه الأتراك مع أتاتورك ونظامه ثم مع من خلفه، لم يزدهم إلا تمسكا بهويتهم وثقافتهم، وجنوحهم إلى المحافظة على كل رمز إسلامي مهما كان صغيرا.

فلم تفلح علمانية أتاتورك المتطرفة في تطويع الأتراك وسلخهم عن هويتم بالكامل، والأتراك اليوم على الطريق الصحيح في تصالحهم التدريجي مع هويتهم وثقافتهم وتجديد قراءتهم لتاريخهم وحضارتهم.

إن صمود الأتراك ومقاومتهم لكل الاجراءات والقوانين والتدابير التي فرضت عليهم بقوة النار والحديد من أجل قبول مشروع العلمانية الكمالية، هو الذي سهل مهمة العدالة والتنمية بزعزعة أركان مشروع تركيا الكمالية العلمانية

هذا ما اعتراف به الإعلام الأمريكي بعد فوز حملة "نعم" في استفتاء 16نسيان/أبريل، حيث اعتبر هذا الفوز "انتصار كبير للهوية الإسلامية في تركيا على إرث الكمالي العلماني". وجاءت عناوين ومقالات وتحليلات كل من "واشنطن تايمز"، ومجلة "فورين بوليسي"، ومجلة "ناشونال إنترست" وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية، كلها نعي لتجربة الكمالية العلمانية بتركيا، وتحذير من تمكن مشروع أردوغان ونجاحه في استرجاع الهوية الإسلامية لتركيا بعد إفشاله المحاولة الانقلابية ليلة 15 تموز 2016، وموافقة الشعب التركي على التعديلات الدستورية والنظام الرئاسي.

قال الكاتب الأمريكي ستيفن كوك في مقال له بمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية في 17 أبريل2016: (إن إقرار التعديلات الدستورية في تركيا يعني بوضوح رفض أغلبية الشعب التركي للعلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك، وهو أيضا بمثابة إنهاء مرحلة كاملة من تاريخ تركيا الحديث.. فتصويت الأتراك بنعم يمنح أردوغان وحزبه الحاكم تفويضًا لإعادة تنظيم تركيا بشكل جديد وإنهاء المرحلة العلمانية، التي قامت عليها الجمهورية التركية منذ 1921).

فإن كان وعي الأتراك بأهمية الديمقراطية والحفاظ على الشرعية وخطورة الانقلاب على إنجازاتهم التي حققوها في14 عاما، وشجاعتهم الأسطورية في اعتقال الدبابات والانقلابيين، هما السبب الرئيس في إفشال المحاولة الانقلابية الخامسة في 15 تموز 2016. فإن صمود الأتراك ومقاومتهم لكل الاجراءات والقوانين والتدابير التي فرضت عليهم بقوة النار والحديد من أجل قبول مشروع العلمانية الكمالية، هو الذي سهل مهمة العدالة والتنمية وزعيمه الطيب أردوغان في زعزعة أركان مشروع تركيا الكمالية العلمانية، والقضاء التدريجي على كل رموزه ومعالمه الكبرى، وإضعاف القوى الحامية لها في القضاء والتعليم والإعلام والاقتصاد، وإزاحة كبار رجال الجيش من الكماليين المتعصبين، وإرجاع المؤسسة العسكرية إلى مهمتها الأصل وهي حماية الشعب والوطن، وترك السياسة لأصحابها.

إن أعظم ما قام به حزب العدالة والتنمية المحسوب على الحركة الإسلامية أنه وضع تعاليم وأحكام الإسلام بصورة قيم ومبادئ لإدارة الدولة والمجتمع بما يحقق مصالحهما بكل المجالات والميادين

مع صمود الشعب التركي واستعداده الدائم للتصالح مع هويته الإسلامية، استطاع أردوغان مسح فكرة هيمنة الدولة وقيامها بدور فرض العلمانية والتغريب على الشعب التركي، وجعلها فكر من الماضي، فالدولة في زمن أردوغان تخدم الشعب وتسهر على راحته، ولا تتدخل في تفاصيل حياته وطرق عيشه.

استطاع حزب العدالة والتنمية إعطاء الدليل العملي على أنه يمكن الجمع بين القيم الإسلامية وممارسة الحياة السياسية بتلك القيم، السياسة بالقيم في تجربة التركية حققت النهضة وتطوير البلاد والرقي بالمجتمع، كما وضع الجمهورية التركية على الطريق الصحيح للحاق بركب الدول المتقدمة، خلاف ما قامت عليه العلمانية الكمالية وروجت له طيلة عقود، في استحالة تحقيق نهضة كنهضة الغرب مع الالتزام بتعاليم الإسلام وقيمه ومبادئه.

إن أعظم ما قام به حزب العدالة والتنمية المحسوب على الحركة الإسلامية أنه وضع تعاليم وأحكام الإسلام في صورة قيم ومبادئ قادرة على إدارة الدولة والمجتمع بما يحقق مصالحهما في كل المجالات والميادين. الحفاظ على ثنائية تحقيق المصلحة والعمل بالقيم الدينية، ضرب الفكرة الأساس في مشروع أتاتورك العلماني وهي استحالة التوافق بين النهضة "تحقيق المصالح" والعمل بالقيم الدينية والأخلاقية، وأنهما متعارضان أبدا، ولابد من اختيار بينهما.

وكانت القراءة الصحيحة التي قام به حزب العدالة والتنمية وزعيمه الطيب أردوغان للمشهد التركي منذ سقوط الخلافة الإسلامية إلى يوم تسلمهم زمام السلطة، والتقييم السليم والواقعي لما ورثوه من تركة الجمهورية الأولى، الخطوة الأولى على طريق النهضة والتقدم التي تعرفه تركيا اليوم ثم المسار الحكيم نحو التصالح مع الهوية الإسلامية.

لقد ورثت حكومة العدالة والتنمية تركة ثقيلة من المشاكل والصعوبات والقوانين، جعلت تركيا ماقبل 2002 سهلة الانقياد للقوى الخارجية التي تخدم مصالحها على حساب مصالح الشعب التركي. ورثت الحكومة التركية عام 2002 اقتصاد هشا وأزمات مالية واجتماعية متراكمة، ودولة عميقة تتحكم في مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام والقضاء والشرطة، ومؤسسة عسكرية ترى نفسها الآمر الناهي وكل حكومة أو حزب سياسي خالف توجهها كان الانقلاب العسكري جزاءه.

هذه التركة الثقيلة والمعقدة، والتجارب السابقة في مواجهة العلمانية المتطرفة وحراسها منذ عهد مندريس إلى فترة أربكان فرضت على العدالة والتنمية التعامل معها باستراتيجية حكيمة، غايتها حل المشاكل وتذليل الصعوبات وتعديل القوانين التي تمنع عجلة النهضة التركية من الدوران.

وظف أردوغان وحكومته رغبة الأتراك الجامحة في دخول الاتحاد الأوروبي، واستغل معايير كوبنهاغن للانضمام للاتحاد الأوروبي في الحد من تدخلات المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية

استراتيجية أردوغان وحزبه ركزت على عدم الدخول في أي تصادم مبكر مع مؤسسة الجيش وباقي المؤسسات الفاعلة والحامية لعلمانية الدولة، والتي لها حساسية من الدين والتدين والمتدينين، والتأكيد المستمر من الحزب على الالتزام والمحافظة على أسس النظام الجمهوري والسعي لتحقيق حلم المؤسس بجعل تركيا مجتمعا متحضرا ناهضا معاصرا. وحول أردوغان وجهة الصدام إلى الدولة العميقة وأذرعها في كل مؤسسات الدولة وشروط ومعايير الاتحاد الأوربي وتطلعات وأحلام وأمال الشعب التركي، والذي ملَ من الحكومات الائتلافية الضعيفة والانقلابات العسكرية الخطيرة على مستقبل تركيا والأتراك.

فوظف أردوغان وحكومته رغبة الأتراك الجامحة في دخول الاتحاد الأوروبي، واستغل معايير كوبنهاغن للانضمام للاتحاد الأوروبي في الحد من تدخلات المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وتعديل عدة قوانين كانت مخالفة لشروط ومعايير الاتحاد الأوروبي، هذه القوانين الجديدة والأخرى المعدلة ساعدت على فتح باب الحريات بتركيا، ومن أهمها حرية التدين والمعتقد وحرية الرأي والتعبير وغيرها من الحريات والحقوق التي وفرت الظروف الملائمة من أجل التحرك نحو التقدم والنهضة ثم التصالح مع الهوية والتاريخ والحضارة الإسلامية.

كما استطاع بتلك المعايير والشروط منع كل الإجراءات والتدابير التي تجهض التجربة الديمقراطية التي تعيشها تركيا منذ بداية الألفية الجديد، وحماية مسيرة حزبه المتدرجة في إقصاء كل يمنع الشعب التركي من تقرير مصيره وتحقيق نهضته، والتمتع بحريته في جميع مناحي حياته.

يتبع…



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة