الحركات الإسلامية السياسية.. ومسألة التغيير

تباينت اجتهادات تيارات المدرسة الإسلامية الوسطية الشمولية في البلدان العربية خلال العقود الأخيرة حول العديد من القضايا الفكرية الشائكة؛ رغم وحدة المرجعية والاتفاق في الخط الفكري العام. وقد نتج عن هذا التباين -مع مرور الزمن- بروز خطين فكرين داخل هذه المدرسة.
– الخط الفكري الأول، خط يتعامل مع الأحداث بمرونة وواقعية ويتحرك وفق الممكن والمتاح، وهو الخط الذي تبنى أصحابه نظرية الإصلاح الدعوي، وهي نظرية تعترف بالواقع القائم وتسعى لإصلاح ما اعتراه من انحرافات وتشوهات، ويمكن أن نسميها بنظرية "الواقعية الإسلامية". وهذه النظرية هي التي استقر عليها رأي حركة التوحيد والإصلاح المغربية بعد نقاشات مطولة بين قادتها وعلمائها ومفكريها وأصحاب الرأي فيها -على عكس حركة العدل والإحسان التي مازالت تتشبث بالأطروحات الصلبة وترفض الاعتراف بالملكية القائمة بالمغرب- وهي التي تبنتها حركة النهضة أخيرا، كما أن حزب العدالة والتنمية التركي كان من أوائل الإسلاميين تبنيا لهذا النظرية وتشبثا بآلياتها.

ونشير هنا إلى وجود تباينات في تطبيق هذه النظرية ووجود خلافات –كذلك- حول بعض قضاياها التفصيلية بين هذه الأحزاب والحركات، مع توافقها في تبني النظرية بشكل عام والعمل وفق مقتضياتها وآلياتها، وهذا أمر طبيعي جدا، وهو الذي تقتضيه النسبية، واختلاف السياقات والظروف.

الذي حدث بعد استشهاد البنا أن قيادة حركة الإخوان، مع حفاظها على نظرية البنا وعلى أفكاره ورؤاه التغيرية، تخلت عن أهم أدوات التغيير التي راهن عليها البنا وسهر على بنائها

– والخط الفكري الثاني، هو الخط الذي تبنى أصحابه نظرية التغيير، وهي نظرية لا تعترف بالواقع القائم إلا بقدر ما يخدمها أو يحقق لها بعض أهدافها، ويمكن أن نسمي هذه النظرية بنظرية "المثالية الإسلامية". وهذه النظرية هي التي تبناها الإمام البنا والعلامة المودودي، ودافع عنها المفكر الإسلامي سيد قطب بأسلوبه الأدبي البليغ وقلمه السيال المتدفق؛ رغم اختلافهم حول وسائلها وآلياتها، وهي التي تتبناها غالبية الحركات السياسية الإسلامية. وكلام الداعية العراقي محمد أحمد الراشد في كتابه الشهير (المسار) عن مراحل الدعوة وعن "مذهب السيف السلفي" إنما هو شرح وتأصيل واف لهذه النظرية ولوسائلها وأدواتها، وقد أعاد هذا الكلام وأكده في كتابه الذي صدر عقب أحداث الربيع العربي (تنظير التغيير: النظرية التكاملية للتغيير السياسي الإسلامي)، وهو في تنظيره للتغيير أقرب إلى البنا ونهجه منه إلى المودودي وسيد؛ رغم حرصه على الاستشهاد بكلامهما.

وقد رسم البنا رحمه الله بفكره العملي مراحل هذه النظرية (نظرية التغيير الحضاري الإسلامي)، والتي حددها في (رسالة المؤتمر الخامس) في مراحل ثلاثة، هي: "مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج" ، وأضاف في (رسالة التعاليم) في تعريفه بهذه المرحلة الأخيرة بأنها "مرحلة جهاد لا هوادة فيه، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما إلا الصادقون".

ومع أن هذه الجملة عامة؛ قد يفهم منها أن المقصود بالجهاد هنا هو الجهاد المدني السلمي والعمل الاجتماعي الشمولي في كافة مناحي الحياة، ويدعم هذا التفسير سيرة الجماعة العملية، إلا أن التفسير الراجح الذي تؤكده شواهد أخرى أن هذه الجملة إنما هي إشارة إلى (القوة) وإلى دور الأدوات الخشنة في صنع التغيير الحضاري وخصوصا في المراحل المتقدمة من مراحل التدافع والمغالبة، وهذا هو الذي تدعمه السيرة العملية للبنا؛ ففي هذه النقطة بالذات كان البنا عمليا أكثر منه صاحب أقوال؛ والظاهر من كلامه أنه كان يتحاشى الحديث عنها بشكل مفصل، ويكتفي بالكلام العام، وبالإشارة المفهمة، مثل حديثه في (رسالة التعاليم) -في شرحه لركن العمل- عن الحكومة، وقوله عنها "وإذا قصرت: فالنصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد".

لم تقتصر تأثيرات التحول والتخلي عن فكرة جهاز "النظام الخاص" على حركة الإخوان المركزية في مصر وحدها، بل انسحبت تأثيراته على غالبية الحركات الإسلامية السياسية في الوطن العربي

ولكنه في مقابل هذا عمل في صمت على تأسيس جهاز "النظام الخاص" وسهر على بنائه، غير أنه تم اغتياله قبل استكمال خطوات التغيير التي كان خطط لمراحلها بدقة وبدأ تنفيذها بإحكام. بيد أن الذي حدث بعد استشهاد البنا وبعد الهزات العنيفة التي تعرضت لها جماعة الإخوان عبر محن متتالية استشهد فيها عدد من قادة الحركة وعلمائها، وزُجَّ بالآلاف من أعضائها داخل السجون، الذي حدث بعد هذا أن قيادة الحركة، مع حفاظها على نظرية البنا وعلى أفكاره ورؤاه التغيرية، تخلت عن أهم أدوات التغيير التي راهن عليها البنا وسهر على بنائها، وهي جهاز "النظام الخاص".

الوعي بالمنهج الذي نسلكه وبمتطلباته وآلياته هو أول خطوة في طريق النهوض الحضاري، وما لم يوجد هذا الوعي وتحسم الآليات والخيارات، فستبقى الحركات الإسلامية تكرر أخطاءها

لقد كان التخلي عن هذا الجهاز مع التشبث بنظرية التغيير والإصرار على المواقف الصلبة دون التحول إلى العمل الإصلاحي المرن، من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها الجماعة، وقد ساهم في ذلك بطبيعة الحال أن نظرية الإصلاح السياسي الإسلامي لم تكن قد تبلورت بشكل ناضج في ذلك الوقت. لكن إصرار الحركة بعد ذلك على هذا الخط مع عدم سعيها لبناء آليات التغيير بعد تبلور نظرية الإصلاح السياسي الإسلامي ونضوجها، وبعد حدوث متغيرات كبيرة على الواقع تستدعي مراجعة العديد من القضايا والأطروحات هو إصرار في غير محله.

ولم تقتصر تأثيرات هذا التحول والتخلي عن فكرة جهاز "النظام الخاص" على حركة الإخوان المركزية في مصر وحدها، بل انسحبت تأثيراته على غالبية الحركات الإسلامية السياسية في الوطن العربي، فقد عاشت هذه الحركات وهي تحمل فكر التغيير الإحلالي الشمولي، ولكن من دون التفكير في بناء أهم أدواته، باستثناء حركة حماس، وهي بطبيعة الحال حركة لها خصوصيتها، بحكم اختلاف السياق والظروف.

ومع أن القراءة الصحيحة للربيع العربي وما تلاه من أحداث تؤكد أرجحية نظرية الإصلاح السياسي الإسلامي وضرورة تبني آليات العمل المدني السلمي المنفتح الذي يعمل في إطار القانون والمؤسسات، إلا أن جوهر المسألة –من وجهة نظري- ليس هو تبني هذه النظرية أو تلك، الأمر المهم في المسألة هو التنبه إلى اختلاف النظريتين وعلى أن الخلط بينهما مضر، فلكل منهما أدواتها التي لا تستغني عنها، فليس من الصواب أن تتبنى نظرية التغيير الشمولي الإحلالي، بمثاليتها التي لا تهادن أحدا ولا تجد لها مشتركات مع الآخر وتفتح المعارك مع كل مخالف وتخوض الحروب على كل الجبهات ولا تسكت عن أمر تراه باطلا حتى ولو كان الهدف من إثارته هو استفزازها وإيقاعها في الشرك، ثم تهمل أدواتها أو تستعير أدوات نظرية الإصلاح.

فالإصلاح والتغيير كلاهما منهج وطريق للنهوض الحضاري له وجاهته وأصوله الشرعية التي يستند عليها، وله نماذجه الواقعية التي لها حظها من النجاح وحظها من الفشل؛ على أن تجربة الربيع العربي والثورة المضادة أكدت أن الإصلاح أقل كلفة من الناحية المادية وأكثر كلفة من الناحية الأخلاقية في نظر البعض –ولست منهم بحال- وأن كلفة منهج التغيير المادية كبيرة، مع أنه منهج ناصع من الناحية الأخلاقية ومريح للضمير.

إن الوعي بالمنهج الذي نسلكه وبمتطلباته وآلياته هو أول خطوة في طريق النهوض الحضاري، وما لم يوجد هذا الوعي وتحسم الآليات والخيارات بشكل واضح، فستبقى الحركات الإسلامية تكرر أخطاءها وتعيد إنتاج التجارب الفاشلة، ولا تخطو خطوة لتتقدم إلا وتخطو مثلها لتتراجع. فهذا الوعي هو جوهر القضية والمحور الأهم الذي ينبغي أن تركز عليه مراجعات الحركات الإسلامية السياسية ونقدها لذاتها ولمسيرتها الحركية والسياسية.



حول هذه القصة

أجمع المشاركون في جلسات اليوم الأول من ندوة “التحولات في الحركات الإسلامية” على أهمية الاجتهاد والتجديد داخل الحركات الإسلامية السياسية للتفاعل الإيجابي والواعي مع تحديات ما بعد الربيع العربي.

اختتمت مساء اليوم بالدوحة أعمال ندوة مركز الجزيرة للدراسات في موضوع “التحولات في الحركات الإسلامية” بحوار مفتوح أكد على أهمية قيام الحركات الإسلامية السياسية بمراجعات ونقد ذاتي لتستفيد من الأخطاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة