كان هذا السؤال منطلقا جيّدا لتحليل المحتوى الذي قدمته وسائل الإعلام الأميركية المقروءة والمسموعة والمرئية عن مرشحي الانتخابات من الحزبين المتنافسين، والقضايا التي حازت على اهتمام أكبر من حيث العرض وكثافة التناول الإخباري والتحليلي لـبرنامجيّ المرشحَين الرئاسيين. من جهة أخرى، أجرى الباحثان استقصاء استبيانيا على شريحة واسعة من الناخبين وذلك لرصد ترتيب أولويات القضايا التي تهمهم في البرنامج الرئاسي لمرشحي الحزب الديمقراطي والجمهوري، وكانت النتيجة التي أظهرتها الدراسة أن ثمّة توافقا كبيرا بين القضايا التي تركّز عليها وسائل الإعلام الأميركية وتلك التي يهتم بها الجمهور المتعرّض لها، ومن ثمّ توصلوا إلى نتيجة مهمة مفادها أن "وسائل الإعلام تنجح بكفاءة في تعريف الناس فيما يفكرون، وذلك بقدرتها على تركيز انتباه الجمهور نحو الاهتمام بموضوعات ما أو أحداث وقضايا بذاتها، فالجمهور لا يعلم من وسائل الإعلام عن هذه الموضوعات فحسب، بل يعرف كذلك ترتيب أهميتها".
يتفق هذا مع ما ذهب إليه والتر ليبمان -أوائل القرن العشرين- في كتابه الشهير "الرأي العام" أن أحد أهم أدوار وسائل الإعلام قدرتها على بناء "التصورات الذهنية" لدى جمهورها، ومن ثمّ توجيه الرأي العام نحو القضايا التي يتبناها وتلك التي ينصرف عنها.

يحضرني هنا -كـمثال- تلك السيدة "المنتقبة" التي وقفت في أحد الاستحقاقات الانتخابية المصرية وهي تدفع بعدم انتخاب أحد المرشحين "الإسلاميين" بحجة أنه سيجبر النساء على ارتداء الحجاب! وكانت هذه -قضية الحجاب- إحدى أهم القضايا التي تتم مناقشتها في البرامج الحوارية آنذاك.
بالمقابل، يظل هذا الطرح مقبولا -من حيث قدرة وسائل الإعلام على التأثير في الفرد وترتيب أولوياته واهتماماته- في إطار وسائل إعلام تقليدية تعمل بشكل "خطّيّ" بين مُرسل ومُتلقي، حيث هناك "محرر/مقدم برنامج" يقابله "قارئ/مشاهد"، لكن هذا الطرح مشكوك في قدرته التفسيرية أمام شبكات التواصل الاجتماعي حيث محتواها في النهاية هو منتوجنا نحن، فالقضايا والأفكار والاهتمامات المطروحة عليه "ينبغي" أن تكون معبرة عنّا بطريقة أو أخرى باعتبارنا "العازف والجمهور" في آن واحد.
| "الترند" دائرة مُفرغة لا سبيل للخروج منها إلا بقدرة على تجاوز "سلطة الجموع" والقدرة على التمييز بين القضايا الجذرية المرتبطة بواقعها وتلك التي لا تعدو أن تكون "ترندا" محكوما بوقته وشخوصه لا غير. |
هذا ما ذهب إليه بالفعل كل من وليامز وكباربني -الباحثان في الدراسات الإعلامية- استنادا إلى دراسة أجرياها حول دور وسائل الإعلام في حادثة "مونيكا لوينسكي – كلينتون" انتهت إلى أنّه مع نهاية القرن العشرين تغيّر دور وسائل الإعلام في المجتمع الأميركي نتيجة ظهور وسائل الإعلام الجديدة التي أضعفت إلى حد كبير سيطرة النخب السياسية ووسائل الإعلام في القضايا السياسية، حيث إنّ بيئة وسائل الإعلام الجديدة أتاحت للجمهور مصادر غير محدودة من المعلومات السياسية، وقوّضت بالتالي فكرة وجود بوابات رقابة تمر من خلالها المعلومات السياسية، وإذا اختفت البوابات لا يمكن أن يكون هناك حراس للبوابات، وهو ما يحدّ من دور وسائل الإعلام في وضع وبناء اهتمامات الجمهور في القضايا السياسية.
لكنّ السؤال يظل قائما، إذا كان الأساس الذي تقوم عليه الشبكات الاجتماعية هو كونها منصات حرّة تعبر عن مستخدميها، الذين هم في الأخير مواطنون عاديون غير مؤدلجين في الأغلب ولا يمثلون مصالح تتجاوز أفكارهم الشخصية، فما الذي يدفعهم إلى تبنّي قضايا لا تمسهم بشكل حقيقي وغير معبرة عن واقعهم المُعاش؟
يمكن القول إنّ الدور الذي كانت تقوم به وسائل الإعلام التقليدية قد انتقل بدوره إلى "نخبة شبكات التواصل الاجتماعي"، وتحولت "سلطة امتلاك المعلومة" التي كانت تحتكرها المؤسسة الإعلامية إلى "سلطة امتلاك المتابعين" والرغبة المحمومة في أن يكون الفرد جزءا من المجموع، بما في ذلك اهتماماته وقضاياه وحتى أفكاره!
ومن ثمّ فهي دائرة مُفرغة لا سبيل للخروج منها إلا بقدرة على تجاوز "سلطة الجموع" والقدرة على التمييز بين القضايا الجذرية المرتبطة بواقعها وتلك التي لا تعدو أن تكون "ترندا" محكوما بوقته وشخوصه لا غير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

