الكونت دي مونت كريستو.. الانتقام يبدأ من هنا!

blogs رواية دي مونت كريستو

خانه أصدقاؤه، تخلت عنه حبيبته، تعرض لحادثة مميتة، لكن القدر كتب له حياة جديدة، حياة يعود فيها لينتقم من الجميع. ومن هنا تبدأ الحكاية.. ثيمة درامية مألوفة، قتلتها الروايات والأفلام والمسلسلات العربية والعالمية تكرارا. ولكن، هل سألت نفسك يوما، كيف بدأ كل هذا؟ ولماذا؟ الجواب هناك، في فرنسا!

 

كتابنا لهذا الأسبوع هو رواية "الكونت دي مونت كريستو" Le Comte de Monte-Cristo للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما الأب، صدرت باللغة الفرنسية لأول مرة على شكل حلقات في جريدة (Le journal des débats) بين عامي 1844 و 1846، وسرعان ما تحولت إلى أيقونة للأدب الفرنسي والعالمي وترجمت إلى معظم اللغات الحية، وهي مقتبسة في جزء منها من أحداث حقيقية عاشها بيير بيكو.

 

تجري أطوار هذه الرواية أيام حكم لويس الثامن عشر، وبالضبط يوم 24 فبراير 1815، يوم مغادرة نابليون لمنفاه في جزيرة إلب، يسافر البحار الشاب ذو الـ 19 ربيعا إدموند دانتيس في سفينة "الفرعون" متجها نحو مارسيليا، معتزما الارتباط بحبيبته الحسناء مرسيديس هيريرا، ولكنه يتعرض لخيانة بشعة من أصدقائه، بعدما دبروا له مكيدة اتهم على إثرها بأنه من مناصري نابليون، فيتم اعتقاله واقتياده إلى سجن قلعة إيف قرب مارسيليا.

 

إن معظم الأفلام والمسلسلات العالمية التي تتناول ثيمة الانتقام في حبكتها الرئيسية استلهمتها أو اقتبستها من روح رواية الكونت دي مونت كريستو

يغرق إدموند في الوحدة واليأس في سجنه، قبل أن يتعرف على الأب فاريا، الذي سيساعده على استرجاع الأمل في المستقبل والحياة، كما سيخبره قبل وفاته بسر وجود كنز في جزيرة مونت كريستو. وهكذا، وبعد أربعة عشر عاما من الأسر، يتمكن إدموند من الفرار من سجنه والعثور على الكنز في الجزيرة، فيحول اسمه إلى الكونت دي مونت كريستو ويعود لينتقم من كل أولئك الذين غدروا به وتسببوا في سجنه.

 

حققت هذه الرواية نجاحا ساحقا، وجرى تحويلها إلى كل ما قد يخطر على البال من مسرحيات وأفلام ومسلسلات ورسوم متحركة وقصص مصورة، كما أن معظم الأفلام والمسلسلات العالمية التي تتناول ثيمة الانتقام في حبكتها الرئيسية استلهمتها أو اقتبستها من روح رواية الكونت دي مونت كريستو، ويعلق الكاتب المصري أحمد خالد توفيق على هذا الأمر بالقول:

 

"هناك قصص محظوظة جدًّا دخلت عالم السينما ولم تخرج قط، الكونت دي مونت كريستو تحفة "ألكساندر دوما" مثال مُهِمٌّ، يمكنك أن تراها في كل فيلم تقريبًا: "أمير الانتقام"، "أمير الدهاء"، "دائرة الانتقام"، "المرأة الحديدية"، وبالطبع كل الأفلام الهندية، وعشرات من أفلام الكونج فو الصينية الرديئة، وعشرات من أفلام الأكشن الأميركية أحدثها "اقتلوا بيل" لتارانتينو.

 

قصة الرجل الذي يدمرون مستقبله ويسلبونه حبيبته، ثم يمر بمرحلة التغيير، يصير أكثر ثراءً وأكثر خبرة، ويُذْكِي جذوة الانتقام في رُوحه يومًا بعد يوم، ثم يعود ليفتك بمعذبيه الواحد تلو الآخر. لا شك أن لذة الانتقام ذات مذاق شَهِيٍّ بالنسبة إلى المشاهد، مما يجعل تلك الثيمة لا تفشل أبدًا."

 

وقد بلغ هوس الكثير من القراء بهذه الرواية حد تنظيم زيارات سياحية إلى قلعة إيف على سواحل مارسيليا، والتي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، كما قام المعجبون بحفر ممر بين ما يفترض أنها زنزانة دانتيس وزنزانة الأب فاريا رغم أنها في نهاية الأمر مجرد رواية خيالية!

 

وقد استغلت بعض وكالات الأسفار والسياحة في مارسيليا الأمر، وقامت بتنظيم ما أسمتها جولات سياحية وسط مارسيليا "على خطى دانتيس"! كما يجري تنظيم مسابقة سنوية كل شهر يونيو، للسباحة من قلعة إيف إلى مارسيليا، يشارك فيها أزيد من 750 متسابقا، لإحياء قصة هروب دانتي من سجنه!

 

أنصح بالبحث عن الترجمات العربية الكاملة أو قراءة النسخة الفرنسية الأصلية أو حتى الإنجليزية، فالترجمات العربية في معظمها "مختصرة" وغير كاملة

شخصيا، كلما مر اسم هذه الرواية أمام عيني إلا وتذكرت أيام "الزمن الجميل" في تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأت علاقتي بالمطالعة، أيام تبادل الكتب وكراء القصص والروايات بثمن بخس، والحصول على ثروات من الكتب بمقابل لا يتجاوز الـ 10 دراهم أحيانا، ولرواية الكونت دي مونت كريستو مكانة خاصة جدا في قلبي، فقد كانت أول رواية "ضخمة" أو "من العيار الثقيل" أطالعها في تلك السن المبكرة، بعيدا عن قصص الأطفال المعتادة، وأتذكر جيدا تلك "النسخة" المكتراة، بصفحاتها المهترئة وطباعتها المتهالكة، وقد حرصت مؤخرا على اقتناء نسخة أصلية و"كاملة" لها لأضيفها إلى مكتبتي الصغيرة.

 

بقيت نقطة واحدة تتعلق بالترجمة، شخصيا أنصح بالبحث عن الترجمات العربية الكاملة أو قراءة النسخة الفرنسية الأصلية أو حتى الإنجليزية، فالترجمات العربية في معظمها "مختصرة" وغير كاملة، وقد تكرر هذا الأمر مع عدد كبير من الأعمال الكلاسيكية كـ "البؤساء" لفيكتور هيجو و"الفرسان الثلاثة" لدوما نفسه وغيرها، ممن يجري اختصارها أو حذف فصول كاملة منها نظرا لحجمها الضخم، وأنا ضد هذه المسألة صراحة لأنها تحرم القارئ من الاستمتاع بكل سطر وكل تفصيلة جرى ذكرها في العمل الأصلي.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان