التغيير بمفهومه الخفيّ

مدونات - الأقصى

كنت كلما سمعت كلمة التغيير والتغير تذكرت قوله سبحانه "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" نعم هي قاعدة شاملة لجميع جوانب الحياة، اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وتربويا ودينيًا فكلها على حدٍ سواء.. ما إن تغيرت به أعماقنا وأفكارنا ومعتقداتنا سواء أكان ذلك التغيير للأسوء أم للأفضل، فقد قضى أمرُ الله وجَرَتْ سُنّتُه على أنْ يُغَير ما بهم وِفق ما صارت إليه نفوسُهم وترتبت عليه معتقداتُهم، وبذلك فأنت هنا صاحب القرار وراسم مستقبلك وقد قيل في هذا الباب: أنت اليوم ما آلت به أفكارك البارحة وأنت غدا نتاج أفكارك اليوم، فراقب أفكارك وأحسن الانتقاء!
 
ولو تحدثنا عن الجانب السيء في هذا الموضوع لأتت آياتُ الله محكمة مُبيّنة "وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ" فلا مردّ من عذاب الله لمن آلت به نفسه وجرّه هواه إلى العصيان وترَكَ سبيل الله، وطالما كان يستحق العذاب -بسبب ما أوصل ذاته إليه- فلا عاصم لهم من عقاب الله وعذابه، فهؤلاء طريقهم ودربهم واضح لا تعقيد فيه، وكل أعمى سيسير فيه ببساطة ومن هو على بصيرة سيراه أيضًا ولكن الفرق الوحيد هو أن صاحب البصيرة يعلم النهاية فيُعرض خشية وهيبة من الله وأما الأعمى سيقتاده هواه لنهاية لا تحمدُ عُقباها.
 

فلنعلم أن نصر الله آتٍ لا محال بنا أو بدوننا، وأن الأقصى تحريره حقيقةٌ أزليّة، وإن ما يجب أن نسعى لأجله فعليًا هو أن ننظر لحظة تغيير ذواتنا، وإنّي منذ ذلك الوقت أؤمن بأنه لابد أن أسعى لذلك التغيير

بينما لو كان حديثنا عن التغيير الإيجابي "الذي يريده الله منا"، والذي أبتغيه من مقالي هذا هو التفكير العقائديّ العام لمُجمل قضية أمتنا الإسلامية، فقد أبصرتُ هذه الحقيقة في الفترة التي أغلِقت بها أبواب المسجد الأقصى المبارك لمدة يومين دون أن يُرفعَ فيه الآذان وبعد ذلك بدأ رباطٌ عظيمٌ من أهلنا هناك بسبب بواباتٍ صهيونية وضَعها الاحتلال ليُخضعنا له؛ ولكن سُحقًا وبُعدًا لهم! حيث امتد ذلك الرباط لأربعة عشرة يومًا دون ملل أو كلل، إلى أن وصلوا لمُبتَغاهم وحققوا نصرَهُم المؤزر، نصر الله الذي وعد الرحمن عبادَه! وقد كنتُ على يقينٍ بأنّ كلّ تِلكَ الأحداث لم تكن لمجرد أنه مسجد وبيت من بيوت الله، ولكنه كان عقيدة ولأجلها حاربوا، ولأنه شرفُ أمتنا فدافعوا عن عِرضِهم بأرواحهم، وهَبّ كل من استطاع إليه سبيلًا، ولكن تلك الأفكار التي راودتني عُقبَ فوزهم وذلك الشعور الذي تملكني لحظة رؤيتهم يدخلون المسجد سجدًا وبُكيًّا، جعلتني أتساءل: ماذا سيحدث بعد النصر العظيم -أقصد التحرير الأعظم-؟ وهل حقًا هذا هو النصر الذي يريده الله منا؟ 
 
لا أعتقد؛ ذلك النصر الذي حَظَوا به هو جزاء من الله لهم على صبرهم وثباتهم، ورضى منه على من قاتل في سبيله، فالله لن يضيع أجرَ عملَ عامل منهم.
  
إنّما النصر الحقيقيّ هو لحظة توحدّهم واتحاد هدفهم وترسيخ عقيدتهم -الصحيحة- في قلوبهم وفي قلوب أطفالهم، هو يوم قرروا أن يغيّروا ما بأنفسهم! "فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".. فماذا كانت النتيجة؟ قد أحدث الله بعد ذلك أمرًا وغيّر حالهم لأحسن حال، وفرجّ عنهم كربهم وغَمَر قلوبهم بفرحة فتح الأبواب.

 
وبذلك فلنعلم أن نصر الله آتٍ لا محال بنا أو بدوننا، وأن الأقصى تحريره حقيقةٌ أزليّة وليس بأسطورة، فإن ما يجب أن نسعى لأجله فعليًا هو أن ننظر لحظة تغيير ذواتنا، وإنّي منذ ذلك الوقت أؤمن بأنه لابد أن أسعى ومن معي لذلك التغيير، فإن شهدتُ لحظة النصر فهذا فضل من الله ومنّة وإن لم أشهد فهناك أجيالٌ من بعدي سيتممون طريقي، وكل ما عليّ فعله هو اتباع سبيلُ نبيي محمد -صلوات ربي وسلامه عليه- حين سهّل لأصحابه وأتباعه طريق الله وحمل الدين على أكتافه وخاض ما خاض من الآلام، فوصل لنا الإسلام على طبق من ذهب دون كدّ أو تعب.. وبتلك الخطى علينا أن نسير ونُمَهّد لمن هم من بعدنا درب الله، حتى نفوز فوزًا عظيمًا ونلقى الله بقلبٍ سليم، وهذا ما أبتغيه هو أن أوصل فكرة واحدة أختصرها هنا: تغيير الله لأحوالنا هو جزاءٌ لكيفيّة تعرضنا لسنّتِه سبحانه، فنحن لا ننتظر رؤية الأوطان محررة بالمعنى الحرفيّ فقد ينتهي أجلنا قبل ذلك الموعد، يكفينا أن نَصْدُقَ الله حتى يُصَدِّقنا وبذلك تكون قلوبنا قد باتت على طُهْرٍ ومغفرةٍ من الله، وفي ذلك الدرب الطويل عليك بترقب العليم واتباع كتابه العظيم وسنة نبيه الكريم، والاستعانة بصحبة الجنة فلهم بذلك فضل وفكرٌ قويم.
 
ضربت ما حدث بالمسجد الأقصى يوم 14/7/2017م. كمثال بسيط لأوضّح به مقصدي من قوله "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" كذلك تساقُ الأمور في باقي جوانب الحياة، والحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .