الأستانة.. لا أحد ينتظر قبولنا أو رفضنا

blogs - مؤتمر الأستانة 2017 سبتمبر
لا أحد ينتظر من السوريين القبول أو الرفض لما جاء في مخرجات الأستانة؛ فالملف أصبح خارج أيدينا، وعلينا الاستفادة من الفرص المتاحة، وهذا ما يقتضيه الواقع، وإن قبلنا أو رفضنا سنكون قد أثبتنا للعالم كله بأننا سذج وبسطاء؛ لأن الأمر ليس بيدنا، وأصبحنا رقماً في حسابات الدول الكبرى والإقليمية، في الوقت الذي كان ينبغي علينا أن نضع الآخرين رقماً في حساباتنا، ولكن هذه نتيجة خلافاتنا وتفرقنا الذي عملت عليه بعض الدول؛ لنصل إلى هذه الحالة.

بالإضافة إلى زرع أصحاب الفكر التكفيري في المناطق المحررة، وبث الخلاف الديني بين الفصائل _الذي نتج عنه قتل الأخ لأخيه_ ونقل غالب فصائل الثورة من دائرة الصراع مع النظام إلى الاقتتال الداخلي، فأصبحت المعارك تدار في عقر بيوتنا، وبذلك تم الغدر في الثورة وأهلها، وإضعافها على جميع المستويات، ولا شك بعد هذا سيدخلوننا في مفاوضات سمتها الضعف والخنوع، وسنجبر على السكوت إذ لم يتركوا لنا سبيلاً ولا مخرجاً، ثم كتبنا نعيَ ثورتنا بأيدينا، ونحتنا شاهدة قبرها في مصانعنا، وجلسنا نبكي عند رأسها.

المفاوضات الحقيقية والتي تأتي بثمار لصالح الأمة تكون تحت أزيز الرصاص، وليس أمام الفصائل المحاصرة بقرارات دولية، وتمثلها معارضة غُلِبت على أمرها، المفاوضات يهتم بها صاحب الأرض والقضية، وليس صاحب المصلحة بالقضية، لكن ما حصل في الأستانة وما قبلها من مؤتمرات هي مفاوضات بالوكالة، وكأن سورية لم يبق بها رجال ومفكرون، وكأن السوريين يتامى وهم بحاجة لمن يكفلهم ويتولى شؤونهم، أعلم بأنهم ليسوا كذلك.

من أهم الأسباب التي أوصلت السوريين إلى هذه الحالة هو اعتمادهم على الغير، وتخليهم عن يقينهم بقدرة ربهم الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض

لكن عندما أصبح قادتهم أناساً ديدنهم الخلاف الداخلي، وعدم فهم السياسة وفقه الواقع؛ أوصلوهم لهذه الحالة، ولا سبيل للخلاص منها إلا بالتعايش مع الواقع للحصول على أكبر قدر ممكن من الإيجابيات، وعدم الالتفات إلى السلبيات، وهذا ما نستطيع أن نسميه فقه الممكن، فليس بالإمكان أفضل مما كان، أنا لا أريد أن أبثَ اليأس في قلوب السوريين، لكن هذه هي الحقيقة، ولا يمكن أن نستر عين الشمس بأصابعنا، فلا نريد أن نعود إلى الماضي، وما حصل في الثورة خلال السنوات الماضية من طمس للحقيقة وتغطيتها بأنسجة خيالية، يدركها العاقل الذي يعيش الواقع بأنها أضغاث أحلام ليس إلا.

على السوريين أن يعوا هذه الحقيقة، وأن يتأقلموا معها ويتطلعوا إلى الأمام، ويضعوا أيديهم على أماكن الخطأ؛ كي يتجاوزوها في الأيام القادمة، وعليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في إدارة شؤونهم، وعدم الاعتماد على الوعود البراقة التي يسمعونها من تجار الكلام، فمن أهم الأسباب التي أوصلتهم إلى هذه الحالة هو اعتمادهم على الغير، وبعدهم عن دينهم، وتخليهم عن يقينهم بقدرة ربهم الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، فنظروا إلى قدرتهم وقدرة من يقف معهم، وعظموا قدرة عدوهم، وتجاهلوا قدرة خالقهم صاحب الملك والسطوة على الكون كله الذي بيده مقاليد الأمور، وأي قدرة أمامه ما هي إلا كالهباء المنثور عندما ينطق بالكاف والنون، فعوداً للاعتماد على الذات وعودة للاعتماد على الخالق، ومن هنا نقطة البداية للطريق الصحيح.