شعار قسم مدونات

الإلحاد التنظيمي وفوبيا الانتماء

blogs - ناس في الشارع
تواجه المجتمعات العربية والإسلامية حالة من الانهزامية لم يسبق لها مثيل، نتيجة الانتكاسات المتوالية ابتداء بسقوط الخلافة العثمانية وانتهاء بارتدادات الربيع العربي. ولعل المقام لا يسع للسرد التاريخي لكن هذه الانتكاسات أثرت على نفسية الإنسان العربي والإسلامي ودفعت به إلى حالة من النكران تجاه كل محاولة تغيير جادة، سبقها حالة من الجمود والاستنكار للعمل السياسي وفقدان الثقة في الجمعيات الخيرية أدت إلى حالة من الكفر بالتنظيمات والأحزاب على اختلاف أيديولوجياتها فنتج عن ذلك إلحاد تنظيمي وفوبيا من الانتماء لكل جسم مهيكل وبذرائع وحجج تختلف من قطر لآخر. 
والإلحاد بتعريف أكاديمي مبسط هو بمعناه الواسع عدم الاعتقاد أو الإيمان بوجود الآلهة، وبإسقاط هذا التعريف على الواقع فإننا نخلص إلى تشخيص ظاهرتين، أما الأولى فمن جهة التنظيمات وهي ظاهرة إلحاد تنظيمي تؤدي إلى إفراغ العمل السياسي والنشاط الخيري من محتواه، كونها ستفتقد إلى رأس المال البشري، وأما الثانية فمن جهة الجماهير وهو فوبيا الانتماء التي تفقد الإنسان روح المبادرة ويصبح متخوفا من كل نشاط تحت ضغوطات ومؤثرات خارجية عدة، والأصل أن صاحب المبدأ عامل مهما كانت ظروفه ولعله يمكن اختصارها في النظم الديكتاتورية، إلا أن هذه البيئة من المفروض هي بيئة دافعة ومفجرة للإبداع. وهذه الظاهرة لها مسوغات وحجج عند النخبة المثقفة، ويتربع على عرشها:

حجة التحرر: يرى كثير منهم أن أي تنظيم هو مجرد قيد، وأنه لا حرية في التعبير داخل هذا التنظيم، ويرى في اللوائح الداخلية للتنظيمات أغلالا تستنزف الطاقات والقدرات، وهذه النظرة لها ثلاث مبررات فلا شيء من فراغ.

1- ينطلق مفهوم التحرر لديهم من فكرة نفسية ذو نزعة نرجسية مفادها أن أصحاب هذا الرأي يرون أنفسهم أكبر من التنظيم، وأن التنظيمات تحد من عطائهم وإبداعهم وقدراتهم، فهم أشخاص لا تحويهم الجماعة وإن احتوتهم فلا يكونون إلا قادة فيها ولهم السمع والطاعة، ولكل شخص منهم له تراكماته التاريخية التي أفضت به إلى هذه الحال.

فصار البحث عن ولاء المجتمع وكسب رضاه أهم من الإنتاج الفكري والثقافي بمختلف مستوياته، ولا عزاء لنا في هؤلاء إلا أن يستفيقوا ويكسروا القوقعة فلا يوجد حل آخر

2- الحوادث الشخصية الناتجة عن احتكاك الشخص بمجموعة معينة، فأحيانا يتعرض الفرد في تنظيم ما إلى مشاكل تنظيمية وتطاله اللوائح الانضباطية وهذه نادرة، أو معاملات خاطئة مع الفرد فيشكل انطباعا مفاده أن كل تجمع منظم هو مكان للتعرض للإهانة وينفر من هذه البيئة وهي الحالة الشائعة.

3- وهذه لا ترقى أن تكون مسوغا إنما هي ظاهرة سرطانية مستوردة لا تكفيها هذه الأسطر، ألا وهي موضة التحرر أو (التحرر من أجل التحرر) وهي تستهوي الشباب أكثر كونه مقلدا، وتنتج له عاهتين لا مفر له منهما؛ إما أن يصاب بعجز وكسل، فيبقى دون نشاط ثقافي ويحيط نفسه ببضع كتب يجعلها أورادا وبضع مقولات يجعل منها آيات وينفصل عن الميدان العملي الذي يعتبر محكا للثقافة، وكما نلاحظ أن الجميع يدعي الثقافة، ولكن لا نلمس أثرا مجسدا لها على المستويين العربي والإسلامي، وإما أن يقع في فخ الاستغلال أثناء محاولة هروبه وبحثه عما يسميه الحرية، فيقع في شراك تنظيم آخر أو ينشأ تنظيمه الخاص الذي بالضرورة سيكون مقيدا بقيود إدارية وقانونية وجماهيرية، وبالتالي يقع فيما يعرف بالانفصام في الشخصية.

حجة عدم تأدية هذه التنظيمات للأدوار المنوط بها: وهنا لا بد لمن الإشارة إلى ظاهرة فوبيا الانتماء التي سبق وأن ذكرناها، إن دعاة هذه الحجة نسوا أو يتناسون أن المحرّك الأساسي للتنظيمات هم الأفراد، فقوة الأداء من قوة وكثرة المنتمين إلى هذا التنظيم وتنوع آرائهم، وبالتالي نشهد حركية داخل التنظيم وتغيرا للوجوه البارزة وتحولا من موقف إلى موقف، وبطبيعة الحال نحن لا نرى ذلك لأن هناك فوبيا من الانتماء ناتجة عن الخوف من تحمل المسؤولية، ولأننا ألفنا دور الناقد الساخط واحترفنا فن النقد الهزلي (مع احترامي للفاعلين فيه) والغريب أن الجميع يسعى للتغيير والجميع واع ومثقف (أي أنه يرى أنه قد غير من نفسه) ولكن حالنا لم تتغير، فهل السنن الكونية تسير ضدنا؟ طبعا لا! لكن هناك مركب ناقص ألا وهو مفهوم التغيير التدريجي، أي أن تغير من نفسك ثم من مجموعة مثقفة (وهي التنظيم مهما كانت أيديولوجيته) ثم تغير من بيئة محيطة بك (وهي الأوطان) وفي الأخير ستتغير أمم وهذه خلطة التغيير الأزلية ولا يمكن تجاوز مراحلها وإلا أدت إلى انهيار لتلك الأمة، والتاريخ شاهد على زوال أمم اتخذت خطوات استعجالية وكذلك يشهد لأمم تبعت هذه الخلطة ونجحت دون خسائر تذكر.

حجة الانصياع لحتمية المجتمع: في المجتمعات التي تشهد ركودا فكريا وتكون النفسية العامة مهتزة، فإن أي دعوة للتغيير هي دعوة للحرب والخروج على المألوف، وتقابل بالرفض، فالتنظيمات هي القاطرة الأمامية للمجتمعات، يشعر فيها المنتظم بحال من الخوف والغربة، ويرى أنه شذوذ في مجتمعه وتتسلل فكرة الانسحاب إلى ذهنه، أما غير المنتظم وإن كان ذو ثقافة فإنه لا يجرؤ على مواجهة مجتمعه بل يرضى أن يقوم بمعشار العمل الذي يقدمه مقابل رضى الناس عنه، رغم أنه يمتلك طاقة لو كانت في جسم مهيكل لقام بتحريك الجبال.

فصار البحث عن ولاء المجتمع وكسب رضاه أهم من الإنتاج الفكري والثقافي بمختلف مستوياته، ولا عزاء لنا في هؤلاء إلا أن يستفيقوا ويكسروا القوقعة فلا يوجد حل آخر ما داموا متمسكين بنظرة المجتمع، فإما أن يكونوا قادة ويتحملوا الضريبة (ضريبة الخروج عن القطيع) وإما أن لا يصدعوا رؤوسنا بالنقد الساخر وهدم التنظيمات فيكون بذلك من النخبة السلبية التي يتقوى بها المجتمع في سبيل نصرة فكرته التي تقضي برفض التنظيمات ثم لا يكون بديلا غير بديل واحد ألا وهو تنظيم الأشرار.