استفتاء كردستان العراق ومذكرات بريماكوف

مدونات - الأكراد كردستان

أثار إعلان سلطات إقليم كردستان العراق إجراء استفتاء لتقرير مصير الإقليم في25 سبتمبر الجاري، جدلا مستمرا في داخل العراق وخارجه، لا يزال متواصلا، إذ ترتبط القضية الكردية بتفاعلات دولية وإقليمية يعيها الأكراد أنفسهم قبل غيرهم، ومع ذلك اختارت قادتهم المضي قدما في خيار إجراء الاستفتاء.

 
بالنسبة للحركة الكردية، كان أقصى ما يطمح إليه الأكراد هو التمتع بحكم ذاتي لا إطار الدولة العراقية الموحدة، ولكن بات الآن خيار الانفصال هو المرجح في حال قيام الاستفتاء المزمع هناك.

 
ومما لا شك فيه، أن للأكراد طموحات مشروعة من النواحي القومية والسياسية والثقافية، وأن ما تعرضوا له على أيدي الأنظمة القُطرية الاستبدادية من سياسات تمييزية أو قمعية، خضعت له غالبية الشعوب العربية، والتي يجمعه معها وحدة المصير والجغرافيا والتاريخ الحضاري المشترك.

 

بات من الضرورة الوقوف على مذكرات الشخصيات التي ترتبط بالشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، نراجع مذكرات السياسي والصحفي الروسي يفجيني بريماكوف  بعنوان "الكواليس السرية للشرق الأوسط"

ويأتي طموح الأكراد لتأسيس دولتهم المستقلة في هذا التوقيت مدفوعا بعوامل عدة منها: التغييرات الإقليمية والدولية، وضعف الدولة المركزية في العراق وسياساتها الإقصائية والطائفية، فضلا عن زخم النزاعات الانفصالية حتى في أوروبا، كما هو حال  إقليم كتالونيا في إسبانيا، فضلا عن خشية أكراد العراق من تفويت هذه الفرصة، أو أن تقلب القوى الكبرى لهم ظهر المجن، كما حدث في الماضي القريب، وذلك بعد أن يتم دحر تنظيم الدولة في العراق وسوريا، حيث تريد هذه القوى استغلال الأكراد كقوات برية لسنوات قادمة حتى بعد دحر تنظيم الدولة، مع هشاشة القوات الحكومية في كل من سوريا والعراق وفي غيرهما.

 
لا ينقص إقليم كردستان اليوم من مقومات الدولة المستقلة سوى الاعتراف الدولي، فهو يتمتع بحكم ذاتي موسع لإدارة شؤونه كافة، ويتمتع باستقرار سياسي وأمني ملحوظ، واقتصاد نابض ومزدهر، وقوة عسكرية "البيشمركة" ذات شأن تتهافت القوى الخارجية للتعاون معها وتقديم كافة أشكال الدعم لها.

 
وجدت محاولة جادة من الحكومة المركزية في بغداد لحل القضية الكردية مع الحفاظ على وحدة البلاد. وكما يقول بيرماكوف فقد تمتع الأكراد بالحكم الذاتي بموجب القانون رقم 33 والذي صدر في عام 1974، بيد أن النزعة الانفصالية لدى القوى السياسية الكردية تصاعدت مع قرار مجلس الأمن بإقامة مناطق آمنة شمالي العراق 1991، وكذلك عقب الاحتلال الأميركي للبلاد في العام 2003. ومع ذلك، يواجه الاستفتاء عقبات عدة منها: رفض الحكومة المركزية في بغداد وتحفظ القوى الكبرى، ومسألة المناطق المتنازع عليها، وترسيم الحدود في كركوك والأقليات غير الكردية وردة فعل القوى الإقليمية، خاصة تركيا وإيران.

 

بهذه المناسبة، من الضرورة الوقوف على ما يأتي في المذكرات الشخصية للشخصيات الدولية التي ترتبط بكواليس الشرق الأوسط في حقب تاريخية مختلفة. وفي هذا الصدد، صدرت الطبعة العربية من مذكرات السياسي والصحفي الروسي يفجيني بريماكوف عام 2016 بعنوان "الكواليس السرية للشرق الأوسط: النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين"، نقلها عن الروسية المترجم نبيل رشوان، وصدرت عن المركز القومي للترجمة بمصر.

 
في البداية يصف المؤلف انطباعاته عن منطقة كردستان عندما التقى البرزاني الكبير في العام 1965، حيث يقول: "في هذه الأماكن الأسطورية في جمالها يعيش شعب أبيّ، محب للحرية، هم الأكراد، الذين يطلق عليهم أحيانا: فرسان الشرق. لديهم ما يفتخرون به، ويكفيهم أن صلاح الدين الكردي هزم الصليبيين. وجلب لهم السعادة كثيرا".

 

عمل بريماكوف لفترة طويلة مراسلا للصحيفة السوفيتية ذائعة الصيت حينها، "البرافدا" في الشرق الأوسط، وهو ما مكنه من تكوين معرفة معمقة بقضايا هذه المنطقة، كصحفي وكصانع قرار لاحقا، حيث شغل الرجل عدة مناصب مرموقة في بلاده منها: مدير معهد الاقتصاد والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، ثم رئيسا لجاهز الاستخبارات الخارجية، فوزيرا للخارجية الروسية ورئيسا للوزراء، فنائبا بالبرلمان الروسي وأخيرا رئيسا لمركز تحليل المواقف في أكاديمية العلوم الروسية.

 

 مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق، وكان قد تولى الحكم في 1992 (رويترز)
 مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق، وكان قد تولى الحكم في 1992 (رويترز)

 
وقد خصص الفصل الثامن عشر من المذكرات الصفحات (389-407) لما أسماه "الملحمة الكردية"، متناولا تجربته في التواصل مع القضية الكردية ورموزها وانطباعاته عنها، ورؤيته لسياسة بلاده، وكذلك سياسات القوى الدولية الإقليمية الأخرى.

 

وعن مسألة الانفصال، في مقابلة للمؤلف -كمراسل صحفي- مع البرزاني الأب -الملا مصطفى البرازنى، والد مسعود رئيس وزراء كردستان الحالي الذي كان حينها يبلغ من العمر 17عاما كما يورد الكاتب- فسأله عن الاتهامات الموجهة للأكراد بالنزوع للانفصال، وأجاب البرزاني بالقول: "وحتى إذا طلبت منا الحكومة العراقية أن ننفصل، لما وافقنا على ذلك؟ نحن لا نريد الانفصال عن العراق. لكن الأكراد يجب أن يتمتعوا فيه بكافة الحقوق على قدم المساواة مع العرب، وهذا ما يدور الصراع من أجله".

 

ويتطرق بريماكوف لمقاربات الحكومة المركزية منها ما عرف ببرنامج 11 مارس 1970، ويقول: "في 11 مارس 1970 قرأ الرئيس البكر عبر إذاعة وتلفزيون بغداد، وثيقة إعلان السلام، على أساس الاعتراف بحقوق الأكراد في حكم وطني ذاتي، في إطار الدولة العراقية إلى جانب العرب تم الإعلان على أن الأكراد هم القومية الأساسية في العراق. وأصبح نائب الرئيس كرديا، ودخل الحكومة خمسة وزراء من الأكراد".

 

ثم يتناول المؤلف التحول في مواقف الأكراد من الوحدة إلى تبني الانفصال، مشيرا لتداعيات الغزو الأميركي للعراق، حيث يقول "صبغت فترة ما بعد العملية العسكرية ضد العراق عام 2003، الحركة الكردية بمزاج انفصالي بما فيه الكفاية، وأعتقد أن واشنطن وقفت أمام معضلة: إما أن تدعم هذا التوجه، وبهذا الشكل تكسر العراق نهائيا، بتقسيمه إلى أجزاء، وإما الحفاظ على كردستان العراق، ضمن دولة واحدة وهو ما كانت تهدف إليه الولايات المتحدة، ناهيك عن أن دعم التوجه لإنشاء دولة كردستان مستقلة، كان من الممكن أن يؤدى إلى خلاف شديد مع حليفتها في الناتو، تركيا".

 
أخيرا يشير بيرماكوف إلى وجود جيل جديد من الأكراد، ويتساءل ما إذا كانت طموحات هؤلاء الشباب ستكون مختلفة عن الجيل الأقدم في الحركة الكردية.

 
في خضم التعقيدات التي تحيط بالقضية الكردية في الشرق الأوسط، هل سيكون إجراء الاستفتاء في كردستان العراق، بمثابة تصحيح لأخطاء الماضي، كما يأمل قادة الأكراد الحاليون؟ أم سيكرر قادة الحركة الكردية الأخطاء التاريخية لأسلافهم عندما كانوا ضحية للعبة الأمم وإستراتيجيات القوى الكبرى، والتضحية بضرورات "التوافق" مع شركائهم الآخرين في الوطن؟