"يوسف أَيها الصديق"!

قد لا تفصلنا عن منافقي السياسة سوى بِدَلٌ أنيقة وعطورٌ باريسية وربطاتُ عنق فاخرة. نظنهم رجال الدولة، وهم في الحقيقة سبب نكباتها وخرابها. فـ "بلطجيو" السياسة بارعون في الاختباء وراء شعارات كاذبة وكرفتات أنيقة ونظارات طبية يستعيرون منها "كاريزمة" زائفة. يَدَّعُون الحكمةَ ويتحذلقون ببراعة عن الوطنية لتُرسَم لهم في الأذهان صورةٌ نمطية على أنهم "رجال الدولة"، وهم أبعد ما يكونون عنهم.

إن أردت أن تعرف من هم رجال الدولة الذين يجب أن توكل لهم شؤون البلاد والعباد، وما هي سجاياهم، وكيف يجب أن تُدار الدولة فتأمل في قصة سيدنا يوسف عليه السلام. يُشْتَرَى بدراهمٍ معدودةٍ من سوق النخاسة، ولكن لا يرتضي ذلك الغلام خيانة سيده وطعنه في عرضه عندما سنحت له الفرصة فاستعصم "مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ".. كتومًا صان سر سيده كما طُلِبَ منه "يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا".. وعفيفًا فكان السجن "أحب إليه" من الرذيلة. 

من يمتلك المعرفة لا يبخل بها، ولا يتقرب بها إلى السلطان، بل يقدم حلًا للأخطار المحدقة بالبلاد ودون مساومة رغم كونه مظلومًا

لم تحتضنه جدران السجن فتىً مظلومًا فحسب، بل عالماً حكيماً "ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا"، وشابًا محسنًا يطمئن إليه رفيقيه فيستشيراه في أمرهما "إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ". كان نزيهًا فوضَّح لهما حدودَ علمه وأرجع الفضل إلى الله قبل أن يفتيهما "ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي" حتى لا يظنا أنه يعلم الغيب وينزلقا إلى الشرك فحذرهما منه "مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ".. وكان داعية فلم تفته آنذاك فرصة الدعوة إلى توحيد الله "يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ". 

لم يجامل صاحبيه فأخبرهمها بكل صدق وصراحة بمصيريهما رغم تباين مآلاتهـما، وكان "بريجماتيًا" فلم ينم في سجنه ينتظر المعجزات لتنقذه، بل توكل على الله واجتهد في تقديم سيرته الذاتية كما ينبغي "اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ" لعل الله يحدث له أمرًا. أما هناك فمـلـكٌ لا يستهين بأبسط الأمور، "الأحلام"، ولا يدَّعِ معرفةً لا يمتلكها، فيطلب المساعدة والمشورة من حاشيته "أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ". 

الحاشية لم تُسَوِّقْ الوهمَ للملك ولم تُخَدِّرهُ بتطمينات زائفة بل تتحرى الموضوعية فتُـقِـرُّ بعدم معرفتها "وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ"، ولكنها تبحث له عن إجابة، فيخرج منها من يتحرى المعرفة عند من يمتلكها "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سمانٍ". من يمتلك المعرفة لا يبخل بها، ولا يتقرب بها إلى السلطان، بل يقدم حلًا للأخطار المحدقة بالبلاد ودون مساومة رغم كونه مظلومًا، وعندها يكتشف الملك أن سجونَهُ تحتضنُ علماءً تحتاجهم الدولة فيطلب مقابلته لاستجلاء الأمر. 

لم تستهوِ السجين فرصة التقرب من البلاط بل كان إحقاق "العدل" لديه أهم من فرصة الوظيفة، فأراد أن يدخل الملاك الوظيفي بعهده نظيفة خالية من الشوائب، فيرفض مقابلة الملك حتى يُنظَر في قضيته "ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ". الملك يحترم إرادة السجين ويتحرى العدل ويُـقِـرَّهُ، ليكتشف أن من كان قابعاً في السجن هو "رجل الدولة" الذي يبحث عنه ليقود البلاد عبر أزمتها الوشيكة فيعرض عليه الوظيفة قبل أن يقابله "ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي"، وعندما يقابله يعطيه الوظيفة مباشرة "إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ". 

هـذا هو يوسف الصِّدِّيق وتلك هي "مصر القرآن".. مصـر التي عرفت رجال الدولة فأخرجتهم من السجون لا تلك التي تنكرت لهم وأودعتهم السجون

يقبل رجل الدولة الوظيفة ويحدد بوضوح كادره الوظيفي في الوزارة التي سيتولاها "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" أي خازن أمين وذو علم وبصيرة بما سيتولاه. ينجح ذلك الوزير الأمين في وظيفته فتكافؤه الدولة ـ كما ينبغي ـ فيعلو شأنه ومنصبه "كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ" ليصير "عزيز" البلاد. 

يُخْفِي العزيزُ انفعالاته "فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ" ويستخدم سياسته وحنكته بمهارة ليستدرج أخوته، ومن بعدهم والديه، فيأتي بهم من البدو ليدخلوا "مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ". وأخيرًا، يعفو عن إخوته فلا ينتقم منهم رغم إساءتهم إليه "قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ" ليضرب أفضل مثلٍ للمصالحة والتسامح والعفـــو عند المقدرة. 

يُشْتَرَى بثمن بخس من سوق النخاسة وبداخله يكمن رجل الدولة. ولكن حتى وإن سُجِنَ ظلمًا كان هناك من أنصفه وأعاد رجل الدولة إلى حيث مكانه. هكـذا يجب أن تُدارُ الدول وهكذا هم رجالها. هـذا هو يوسف الصِّدِّيق وتلك هي "مصر القرآن".. مصـر التي عرفت رجال الدولة فأخرجتهم من السجون لا تلك التي تنكرت لهم وأودعتهم السجون. من غلام مملوك إلى عزيز الدولة.. أمين.. عفيف.. صادق.. محسن.. غير متملق.. حفيظ.. عليم.. سياسي.. عفو.. متسامح… فهل يوجد لدينا اليـــوم هذا الصنف من الرجال أم أنه للأنبياء فقـــط؟



حول هذه القصة

أعلن أمس السبت ثلاثة من القياديين البارزين في جماعة الإخوان المسلمين القابعين في سجن العقرب سيئ الصيت إضرابا عاما عن الطعام احتجاجا على الأوضاع المتردية داخله.

27/8/2017

سيرة الرؤى والأحلام مع المصريين تاريخية، من رؤية النبي يوسف عليه السلام مرورا بحلم الملك بالبقرات العجاف والسمان، إلى حلم فرعون مصر بنهايته على يد فتى من بني إسرائيل.

3/2/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة