في مصنع التطرف

كيف يمكن لمن حمل الورود وأغصان الزيتون في مواجهة دبابات النظام السوري أن ينعته القاصي والداني من أمم العالم بالمتطرف الذي خرج لبناء دولة طائفية.. كنت في السابع عشر من العمر عندما داهمت عناصر الأمن منزلي في مدينة منبج في الحادي عشر من حزيران 2011، تم اقتيادي لمركز الأمن الجنائي ليتم تعذيبي فور وصولي لمركز الأمن بشتى الطرق التي ابتكرها النظام السوري وجنده، لم أكن إلا ثائرا ولم أحمل إلا بخاخة كتبت فيها على جدران المدينة ما أتمناه لبلدي من حق وحرية في العيش، لم أكن محزبا ولا منظما تحت أي تكتل.
تم تحويلي إلى فرع الأمن السياسي في حلب ثم الجنائي ثم عرضت على المحكمة التي وجهت لي تهمة مخالفة قانون التظاهر والنيل من هيبة الدولة وتحقير رئيس الجمهورية، والانتساب لجمعية محظورة، علما أنني قاصر، وأنني ما كنت أعرف شرح المصطلحات التي قيّدَتها المحكمة وجرّمتني بها.

بدأت الحكاية
السادس عشر من حزيران تم تحويلي إلى السجن المركزي في حلب الساعة الخامسة عصرا، وصلنا محملين في سيارة عادة ما يتم نقل لحوم الدواب فيها، وكان عددنا يتجاوز الخمسين، مقيّدين في سلسلة طويلة، وبمجرد دخولنا باحة السجن كان العميد بسام علولو قصير القامة كبير الكرش يرتدي بيجامة رياضية، تفاصيل وجهه عمَّ عليها شيء من الحقد والكراهية وكثير من الشعور بالقوّة، كأنه حاكم العالم، وكأننا العبيد في زمن جاهلي يكمن داخل أسوار هذا المنتجع الخاص بسيادة العميد. تم تقسيمنا إلى حلقات دائرية وتخصيص لكل حلقة حلاق.

 صدمت ألف صدمة واكتملت الصدمة عندما عرفت أن هؤلاء السجناء المتطرفين يتم إخلاء سبيلهم بينما تمتلئ الزنزانات بمعتقلي الكلمة أصحاب الثورة

وبعد أكثر من ساعتين وانتهاء كل الإجرات، وقبيل تحويلنا إلى أماكن المبيت تفاجأت بمنظر غريب للغاية، رجل طويل القامة قد رخى لحيته وحف شاربه يرتدي القندهارية زي باكستاني يشير في الغالب إلى تنظيم القاعدة، يتقدم تجاهنا بخطى ثابتة وواثقة وقال (شو تهمتكن يا شباب؟) نهضت من وسط الجمع وقلت له تظاهر، ابتسم وقال حيّيتُم يا رجال، في هذه الأثناء تقدم رجل على الغالب رتبته مساعد توقف أمام الرجل وقال له لو سمحت أبا العدل يمنع التحدث معهم.

وهنا صدمة جديدة لي؛ يصرخ أبو العدل في وجه المساعد ويقول (أنا ما عندي شي ممنوع هون) ثواني قليلة ليصل فيها العميد بسام علولو محاولا عبثا تهدئة أبو العدل. أما أنا ومن معي في صدمة عارمة، ما الذي يجري هنا، مدير السجن يحاول تهدئة سجين معتقل بتهمة تنظيم القاعدة قادما من سجن صيدنايا إلى سجن مدني يحمل جوالا، وكل أبواب السجن له مفتوحة متجولاً في كل السجن ويبايعه كل معتقلي تنظيم القاعدة هنا، حلم هذا أم علم؟

تم تحويلنا (للمختلفة 2) في ملحق السجن المركزي لنعلم فيما بعد أنه يرقد هنا من هم الأكثر تطرفا في السجن، على سبيل المثال تجد شاب كان يقاتل مع تنظيم القاعدة في العراق اعتقل عندما عاد، ولكنه لم يعد مع التنظيم، فقد كفّر الجميع، ويعتقد أنه المسلم الوحيد في هذا الكون، فلا يصلي مع المصلين لأن الإمام كافر ولا تقبل الصلاة فيصلي وحيدا، على مخدعه الكثير من الكتب التي لن تجدها خارج السجن إنها ممنوعة ومحرمة تحريم التفوه بكلمة على صاحب مزرعة الأسد المسماة سوريا، تجد من كان مع حزب التحرير والذي يقول الآن الأمة الإسلامية تحتاج جهادا وكفى، دعوة لأمة بالأساس مسلمة.

خرج من السجن كل المتهمين في تنظيم القاعدة في سوريا والعراق، وأفرغ سجن صيدنايا من المتطرفين وامتلأ بمعتقلي الرأي وأصحاب الكلمة.. أصحاب الثورة وإرادة الشعب


وهكذا هم الأشخاص الذين وجدناهم في ملحق السجن وضعوا من حمل غصن الزيتون مع من يحلم بخروجه كل ثانية ليواجه الأسد بالسلاح والمدافع والمفخخات. في الليلة الثانية من رقودي في هذا الجناح بقيت حتى الفجر واعيا أتسامر مع ثلة من الأصدقاء الثوار وننسق للتواصل لو خرجنا من السجن لنجمع الثوار مع بعضهم، وحينها قام أحدهم ورفع الأذان وأقيمت الصلاة، وتقدم الشيخ محمود منغاني للإمامة، بدأ بقراءة آيات من القرآن الكريم وفي الركعة الثانية رفع يديه للسماء وخلفه كل المصلين وقال: اللهم أسقط طائرات نظام بشار الأسد الكافر المجرم وفجر دباباته. هذه الجملتين ترسّخوا في عقلي وحفظتهم كما حفظت في صغري اسمي، وأنا أنظر للسجان الذي يسمع دعاء محمود منغاني ويضحك عليه كما أنه يقول نكتة.

خرج محمود منغاني من السجن والتحق بتنظيم القاعدة الجناح السوري، وقتل في المظاهرة عمر الحاوي الشاب الحلبي الذي كانت كل مطالبه الشعب السوري ما بينذل

صدمت ألف صدمة في هذه الأيام واكتملت الصدمة عندما عرفت أن هؤلاء السجناء المتطرفون فكريا يتم إخلاء سبيلهم رويدا رويدا بينما تمتلئ الزنزانات بمعتقلي الكلمة أصحاب الثورة، أكثر من نقطة سوداء على جبين النظام شَهِدتها في هذا السجن، تفكرت قليلا عن السبب الذي دفع حقا إدارة السجن إلى زج كل معتقلي الرأي تحديدا في الملحق الذي وضع فيه الأشخاص الأكثر تطرفا على الإطلاق سيما أننا كُنا صفحة بيضاء ولا معلومات سابقة لدينا عن السياسة الإسلامية ولا أي تفاصيل بصددها.

سبق لي أن نسجت من وحي الخيال قصة في هذا الخصوص وعنونتها، يخلق المرءُ صفحة بيضاء تكتب فيها ما تشاء قلت فيها: كان لدى شيخ ثلاثة أولاد في عمر الشباب تقتصر دنياهم على الدراسة فأراد والدهم أن يلقنهم درسا في السياسة تبقى أبد الدهر، بعث لأصدقاء أبنائه يدعوهم إليه خلسة دون أن يدري أبناؤه وطلب من أصدقائهم اصطحاب أولاده لأحزاب سياسية على شرط أن يكون كل واحد منهم في حزب يختلف عن الآخر، وبعد فترة وجيزة حصل أن كل ولد اعتنق رؤية سياسية وفكرة يدافع عنها ويدخل في مشادة كلامية مع أشقائه دفاعا عنها، قرر الشيخ إنهاء اللعبة بعد أن شهِد أن الواقعة بين الأولاد أصبحت قاب قوسين أو أدنى ولن يقتصر الأمر على الاختلاف الفكري والنقاش السياسي الحاد، سيما أنهم باتوا يعتبرون والدهم بالمتخلف السياسي لأنه لم يعمل في السياسة ولم يتوجه لأي حزب.

أخيرا قرر الشيخ جمع الأصدقاء مع أولاده وطلب من الأصدقاء التحدث بالخطة التي رسمها والدهم، في صدمة كبير سمع الأولاد القصة وهنا وقف الشيخ وقال: رؤوسكم ليست إلا صفحة بيضاء يكتب فيها التكتل السياسي ما يشاء، أنتم لم تختاروا الأفكار التي انتميتم إليها الآن بل أنا من اختارها، وطلبي الآن أن تذهبوا وتختاروا ما يوافق عقولكم وتتفقون عليه.

أردت أن أقول من هذه القصة التي رسمتها من الخيال أننا كسوريين وفي ظل القمع الذي شهدناه لم نكن إلا صفحات بيضاء في السياسة، ولم تكن محاولة الأسد إلا لكتابة الأفكار المتطرفة عليه، نجح مع القليل من الشباب وفشل كثيرا. ما كانت هذه الثورة إلا ثورة شعب نحو الحرية والعدالة والمساواة. وبقي الحال كما كان، خرج محمود منغاني من السجن والتحق بتنظيم القاعدة الجناح السوري، وقتل في المظاهرة عمر الحاوي الشاب الحلبي الذي كانت كل مطالبه الشعب السوري ما بينذل، خرج من السجون كل المتهمين في تنظيم القاعدة في سوريا والعراق، وأفرغ سجن صيدنايا من المتطرفين وامتلأ بمعتقلي الرأي وأصحاب الكلمة أصحاب الثورة أصحاب إرادة هذا الشعب.



حول هذه القصة

أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن ستين ألف شخص على الأقل توفوا جراء التعذيب وسوء المعاملة بالسجون السورية منذ نشوب الثورة ضد الرئيس بشار الأسد خلال خمسة أعوام.

22/5/2016

سياسي ومعارض سوري، ليبرالي وبرلماني سابق، عارض النظام السوري، ودفع الثمن سجنا وتنكيلا ومضايقة، حيث دخل السجون السورية خمس مرات، وقضى فيها نحو ثمانية أعوام، وصودرت ممتلكاته وألغيت حصانته البرلمانية.

7/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة