أدركت بعد سنوات من الدراسة أن المعضلة الحقيقية لم تكن في الأستاذ فحسب أو في التلاميذ والطلبة، بل المشكلة أوسع وأخطر، خاصة حين تدرك أن المشكلة الأساس ليست لا في الطبيب ولا في المريض، بل في الدواء منتهي الصلاحية، والذي فقد قدرته على النفع منذ سنين عديدة، فمناهجنا التعليمية المتدنية والتي كنا نشكو قبل سنوات من عدم تجديدها، ومن الملل والنفور الذي تزرعه في عقول أبنائنا، أصبحت اليوم تتجدد سنويا، دون فائدة تذكر، فقد أصبحت مناهجنا ومقرراتنا نسخا طبق الأصل عن المقررات الأوروبية، التي لا تعكس لا تاريخنا ولا واقعنا ولا مستقبلنا.
| السعادة التي ترجوها الناس ليس بالركض وراء تلك المادة اللعينة، بقدر ما هي بحث عن بذرة الحب في نفوسنا ورعايتها، والاستعانة بها في حياتنا لرسم ملامح جديدة وبريئة على هذا العالم الضبابي |
مقررات مستوردة، بعيدة عن هويتنا وذاتنا، بعد المشرق عن المغرب، ولا حصيلة تذكر سوى تراجع مرتبة تعليمنا في العالم الذي ما يلبث أن يتراجع عاما بعد عام، كيف لا وحتى تاريخنا أصبح مبتورا ومحرفا في مقرراتنا، كيف لا وهيبة المعلم والأستاذ أصبحت مداسا تحت الأقدام، بين من يدخن داخل القسم ومن تمضي ساعات داومها أمام مرآتها تعدل مكياجها، من أين لطفل ولد في عصر الرقميات، وفي عصر اندثار العاطفة والإحساس، أن يدرك قيمة المعلم، ألم يحن الوقت لندرك أن الأخلاق لا بد أن تصبح مادة يتناولها أولادنا منذ السنوات الدراسية!
أليس من الحري بنا أن ننشئ نوادٍ ثقافية ومسارح في كل مؤسساتنا التعليمية، تعلم أبناءنا الإبداع الحقيقي بدل المبتذل الذي يتناولونه من التلفاز والنت يوميا، ألم يحن الوقت أن نتخلى عن فكرة التغيير من القمة ونبدأ التغيير من القاع. علينا أولا أن نصلح النشء لنأمن على مستقبل أوطاننا، بعيدا عن الطائفية والخلافات العرقية والدينية المقيتة، ونعلم أبناءنا أن التصفيق للمتفوق واجب، ومواساة المتعثر أوجب، علينا أن نعلمهم أن الاختلاف لا يصنع حروبا إلا عند الأقوام المتخلفة، وأن السعادة التي ترجوها الناس ليس بالركض وراء تلك المادة اللعينة، بقدر ما هي بحث عن بذرة الحب في نفوسنا ورعايتها، والاستعانة بها في حياتنا لرسم ملامح جديدة وبريئة على هذا العالم الضبابي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

