هل تحولت صلاة جُمعتنا إلى قيلولة؟

في يومٍ من الأيام قُبيل وقفة عرفة بساعات، كان خطيبُ مسجدنا قد اعتلى منبره، حمد الله و صلَّى على نبيّه، ثم ابتدأ خطبته التي كان موضوعها عن الحج وعمَّا يفعله وما لا يفعله الحاج، وعن مناسك يوم عرفة.
 
لكننَّا لسنا بحجيج، ولسنا بجبل عرفة، ولم يُشرِّفنا الله هذا العام بزيارة بيته، فضلًا عن علمنا بهذا كله وسماعنا عنه ودراستنا له، ذَهلتُ عن الخطيب وعن خُطبته المُكررة وعن كلامه وإيقاعه الرتيب وطفا تساؤلٌ بذهني: كيف أُجبِرُ عينيّ على ألّا تنغلقان؟ وذهني على ألَّا يشرد!
 
أعتقد أن هذا لم يكن حالي وحدي؛ كانت العجائز بالفعل قد نِمن فوق مقاعدهن واحتجن إلى من يُوقظهن عندما انتهت الخُطبة، أمّا الباقي فتشاغل وتلاهى في مداعبة أطراف حصير الأرض بين أصابعه أو الشرود في أمور دُنياه المُنهِكة؛ كانت نظرات أعينهم الزائغة والثابتة على اللاشيء تشي بذلك.
 
لا جديد تحت الشمس، فهذا حال خُطبائنا وخطباتنا؛ إنَّها نفسها ذات المواعظ بنفس الأسلوب ويكاد يكون هو ذاته الخطيب وكأن أسماءهم فقط هي التي تتغيّر. ولو نظرنا إلى السنّة النبوية، سنجد من الأحاديث التي تُحفّز وتدعو إلى التمسُّك بالصلاة في الصف الأول أو ما يليه الكثير والكثير، مثل "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عليه لاسْتَهَمُوا". فكيف حال مُصلّينا اليوم؟
 
يدخل المُصلِّي من باب المسجد ثم يأوي إلى ركنٍ قصيّ ليُريح رأسه الثقيل المهموم على حائطه، تحسُّبًا للنوم الذي قد يعتريه أثناء الخطبة، أصبحتْ فريضة مكروهة!

  

 

هل نلومه! لا نستطيع أن نُبرأ ساحته، هو مخطئ، لكن خطأه قرين أخطاء الخطيب، الخطيب المقرون والملتصق بروتينيّة مجتمعنا، روتينيّة مجتمعنا التي تلتهم كل شيء. هل يوجد خطيب يراعي أحكام الخطابة؟ بغض النظر عن كونها خطبة جمعة أو خطبة أي مجالٍ آخر؟ قليلٌ هُم..

 

مدة الخُطبة، موضوعها، وملائمة درجة الصوت، هم ثلاث أحكام يجب مراعاتها في أي خطبة، قد يُحقِّق خطيبُنا عنصرًا وأحيانًا يُحقق اثنين، لكن نادرًا ما يجتمع الثلاثة في خطيب واحد، هذا إجمال، وإنّ لكلِّ عنصر من الثلاث تفصيلٌ وإسهاب لا يتَّسع المقام هنا لإيضاحه، لكن لنتناول عنصرًا واحدًا الذي يُعتبر أهمهم: موضوع الخُطبة.

 

إن آذاننا قد تشبّعت بموضوعات خطب الجمعة من أحكام الطهارة والنكاح والصلاة وغيرها، ليت خطباءنا يعلمون أن هناك حيواتٌ أخرى وقضايا تعددت وتشعّبت وجب إيصالُها وإيضاحُها لمسلمي القرن الحادي والعشرين

حاول النَّظر بعين المُحقق المُدقق في موضوعات الخطباء لدى مساجد مُربّعك السكنيّ قُبيل دخول الشهر الكريم، سيُراودك إحساس أن هذا أول رمضان يمرُّ عليهم، كأن أحكامه قد فُرضت للتو، وآدابه قد سيقت إليهم حالًا، أو كأنهم يُحدّثون أناسٍ لم يصوموا قط، وقد دخلوا أخيرًا هذا الشهر بنيّة الصيام والرجوع إلى الله. لعلهم يفعلون هذا من باب الذكرى "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"، لا بأس؛ فما ضَرَّ لو كانت تذكِرة! لكن ألا يمكن أن تكون التذكرة تلك تختلف عن سابقتها! أن تُساق بأسلوب آخر وبصيغة أخرى وبروحٍ مختلفة؟!
 
قّسْ على ذلك خُطب جميع المناسبات والأعياد بالعام، لا جديد تحت الشّمس!

 
لقد وجدتُ شخصًا يختلف عن هؤلاء جميعًا، هو ليس بخطيب جمعة ولا إمام مسجد، لكنَّه عُرف باتّقاد ذكائه وصلابة ذاكرته وبحر علمه الواسع.

 
بعد أن يصعد منبرِه ويحمد الله ويثني عليه، يُناقش موضوعات عصريّة قلّما تجد أحدًا يُحدّثك فيها أو يسألك عنها، فهل سمعت ذات يوم عن خطيب قد جعل من عنوان خطبته "جبرية الملاحدة" أو "معضلة الشر"؟

 

هل من خطيب دعاك وهو على منبره إلى الالتفات إلى الأدب الروسي وأعلامه كدستوفيسكي وغوغول وتشيخوف؟ أو أخذ يُلقي على مسامعك قوانين فيزياء وعلوم فلك وهو يُبيّن لك إعجاز الله في كونه ودقة قوانينه وعِظَم خَلقه! أو أخذ يشرح لك الوجودية والشيوعية وفلسفة أرسطو؟
 
إنَّه "عدنان إبراهيم" وسواء كنت ممَّن يتَّفقون معه أو يختلفون، فهذا لا يُنكر شيئًا مما قيل، ولا يزيد من قدر الرجل أو يُنقصه.
 
إن آذاننا قد تشبّعت بموضوعات خطب الجمعة من أحكام الطهارة والنكاح والصلاة وغيرها، ليت خطباءنا يعلمون أن هناك حيواتٌ أخرى وقضايا تعددت وتشعّبت وجب إيصالُها وإيضاحُها لمسلمي القرن الحادي والعشرين. هذا كان ممّا يدور بالخُلد، وأستغفر الله لي ولكم.



حول هذه القصة

بث ناشطون مقطعا على تويتر لجزء من خطبة الجمعة في السعودية تهاجم دولة قطر، في الوقت الذي تشير أنباء إلى توجيهات لخطباء في السعودية والإمارات لتوظيف المنابر لمهاجمة الدوحة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة