إهداء
إلى أحمد بدويوي، الطالب بجامعة الأزهر الذي صدّق بحلم الثورة وبتجربةٍ سياسيةٍ ولدت من رحمها، ووهبها شبابه هي حزب مصر القوية.
ضياء وشوكان
أربع سنوات مرت على اعتقال ما يزيد على سبعمائة من ميدان رابعة عقب فض الاعتصام بالعنف الشديد. لا يزال منهم ما يزيد على ثلاثمائة قيد الحبس. وعلى مدى هذه السنوات، لم تنته إجراءات التقاضي، ولم يُبتّ في أمر حبس هؤلاء المتهمين الذي كان بعضهم شاهدًا على الفض وبعضهم كان يؤدي عمله أو يساعد في إغاثة جرحى الاعتصام.
ضياء أحمد، الشاب النقي الذي لا يعرفه سوى القليلين، وربما لا يذكره كثيرًا من هؤلاء القليلين سوى أقلّهم، كان آخر صوت سمعناه منه ومن رفاقٍ عشرةٍ له في مايو عام 2016 حين مرّ ألف يوم على فضّ اعتصام رابعة. كتب ضياء ورفاقه في ذلك الوقت، رسالة بعنوان "أن تموت بسلاح النسيان في السجون" قالوا فيها أنّ ألف يومٍ قد سُرِقوا من شبابهم، خائفين أن تُسرَق منهم أيامٌ أخرى.

يقول ضياء ورفاقه واصفين ما أصاب أجسادهم وأرواحهم بعد مرور 1000 يوم على سجنهم:
كل ثانية تمر علينا تنهب بعضًا من أرواحنا وقلوبنا وعقولنا، وتتداعي أجسادنا التي كانت تتمتع بحيوية الشباب قبل ألف يوم.. فما بين آلام العظام والمفاصل الدائمة في أجساد عمرها بين عشرين وثلاثين عامًا، وبين الإصابة بالجلطة أو فيروس سي أو التهابات القولون وقرحة المعدة أو الفشل الكلوي أو الضغط والسكر وما بين محاولة الانتحار ومحاولة أحدنا أن يتنصر لأن تفكيره البسيط أوهمه بأن ذلك هو باب الخروج الأخير من نفق الظلم القاتل، ولولا أن ضابط الأمن الوطني أقنعه بعدم فائدة ذلك الفعل لكان تغيير دينه هو آخر محاولاته بعد اليأس وانسداد الأفق.
وما بين الديون المتراكمة والدمار المعنوي يغرق أهالينا بدون أي ذنب، وبين هروب أحدنا للحبس الانفرادي اختياريا لأكثر من 26 شهر، تحاشيًا منه لحصار الفكر المتطرف وأمراض السيطرة والتحكم في الآخرين داخل الزنازين، وبين هروب بقيتنا إلى زنازين الدواعي الأمنية التي لا تزيد مساحتها على مساحة السرير في غرفة النوم الدافئة، وأفضلنا حظًا هو القادر على الهروب إلى النوم طوال الليل، وسماع الراديو في النهار.
هذا هو حال طاقات عطلها الظلم، صارت طاقات غير منتجة في أجساد متداعية، أو مترهلة تحوي أراوح مكبلة.
| بتنا لا نطلب العدل، بل أصبحنا لا نطلب سوى درجة أقلّ من الظلم، نطلب أن يتوقف قطار السجن عند السنوات الأربعة، ولا يواصل سيره البغيض نحو الخامسة |
أمّا "شوكان" المصور الصحفي المعروف والذي كان لا يفعل شيئًا سوى أداء عمله الصحفي يوم فضّ اعتصام رابعة، فقد كتب إلينا رسائل عديدة مستغيثًا. يصف شوكان حياة السجن في رسالة له كتبها بعد مرور 500 يوم على اعتقاله التعسفي. يقول:
أريد أن أعرض عليكم القليل من حياة المعاناة التي أحياها في السجن. إنها حياة بعيدة كل البعد عن الحياة الحقيقية وعن الحياة التي كنت أحياها. إنها كابوس لا ينتهي في هذا الثقب الأسود الذي أنا عالق به. لقد أصبح الغروب شريط رفيع خلال شبكة الحديد.
أريد أن أقول لكم عن معاناة السجن اليومية التي أجد نفسي مجبرا لمواجهتها. كيف يتحكم فيك ويسيطر عليك ظالمون. كيف يتم سجنك بعادات الآخرين وتحبس مع العديد من الآخرين. كيف تجبر على الوضع المستحيل، محاولًا أن تعيش حياة غير طبيعية كل شيء هنا سجن. لا أستطيع أن أرى السماء بوضوح دون شبكة الحديد والقضبان. لا يسعني رؤية السماء إلا من ثقب صغير في السقف. الحديد يسيطر على المكان هنا. أبواب حديدية ثقيلة وغرفة مظلمة مثل القبر.
أريد أن أخبركم بمشاعر الإحباط وخيبة الأمل واليأس وضياع الأحلام بين أربع جدران من أسوأ وألعن ما رأيت في حياتي. أريد أن أخبركم عن شخص فقد أسرته ومازال معتقل خلف هذه الأسوار. أريد أن أخبركم عن أصوات الحمام والعصافير من حولي مجددة أملي في الحياة والبقاء. أريد أن أخبركم كيف أنام ساعات طويلة 13 وأحياناً 14 ساعة كل يوم لأهرب من هذه الجدرات الملعونة. أريد أيضاً أن أخبركم عن بلدي الحبيبة التي تذبحني وتحطم أحلامي البسيطة في ظلامات السجن.
أحمد بديوي

لا يتوقف "محمد" عن التذكير بأخيه "أحمد" الذي لا يزال في طيّ النسيان، مثله مثل شوكان وضياء وغيرهم مئات، اعتقلوا في أحداث سياسية متلاحقة عام 2013.
أحمد بديوي، عضو حزب مصر القوية، اعتقل من محيط مسجد الفتح بعد انتهاء مسيرات الحزن من أجل مجزرة رابعة. لا أزال أذكر هذا اليوم، وأذكر سماع طلقات النيران بالقرب من بيتي القريب من مسجد الفتح. استطاع مئاتٌ من المتظاهرين مغادرة المسيرة، والنجاة بحياتهم ومتابعتها، ولكنّ أحمد بديوي لا يزال حتّى الآن محبوسًا في ذلك اليوم.
كان حزب مصر القوية مشاركًا في أحداث 30 يونيو، ولكنّ أحمد كان له رأي آخر في كلّ الأحداث التي تتالت بعد ذلك التاريخ، كانت مشاركته في مسيرة الفتح موقفًا شجاعًا لا يزال يدفع ثمنه حتّى الآن. ولكنّه الثمن الذي يستطيع دفعه الرجال الشجعان فقط.
أرسل أحمد رسالة بعد مرور سبعمائة يوم على حبسه، يقول فيها:
| أفرجوا عن أحمد بديوي، وعن شوكان وعن ضياء ورفاقه، وعن كل معتقلي 2013 الذين سقطوا في جبّ النسيان |
من معسكر الأمن المركزي بطرة إلى معتقل 440 بوادي النطرون ثم إلى معتقل الاستقبال بطرة ثم أخيرًا إلى معتقل (1) بوادي النطرون. تمرّ الشهور والأيام في سجون هؤلاء الانقلابيين ونحن على يقين بأنه لن يدوم كرب وفى الدنيا رب. كما قال الدكتور مصطفى محمود. لا أعرف من أين ولا كيف أبدأ مقالتي الثانية منذ اعتقالي في 17/8/2013على خلفية أحداث مسجد الفتح. هل أتحدث عن سلحفاة العدالة الشامخة؟ أم أتحدث عن بطش الانقلايبين مع المعتقلين. هل أتحدث عن الظروف النفسية للمعتقلين وذويهم؟ أم أتحدث عن المستقبل المجهول والعمر المسروق؟
محمد الذي يذكر أخاه في كل وقت ويذكّر به، يشكو من نسيان أخيه. رفاق الأمس في الحزب الذين كانوا معه وقت الرخاء، ليسوا معه وقت الشدّة. يذكرونه، ربما، "كل سنة مرة" كما يقول سيد درويش، ولكن ليس كما يرجو أحمد وما يستحقّ.
خاتمة
بتنا لا نطلب العدل، بل أصبحنا لا نطلب سوى درجة أقلّ من الظلم، نطلب أن يتوقف قطار السجن عند السنوات الأربع، ولا يواصل سيره البغيض نحو الخامسة. أفرجوا عن أحمد بديوي، وعن شوكان وعن ضياء ورفاقه، وعن كل معتقلي 2013 الذين سقطوا في جبّ النسيان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

