ربما كان هذا العنوان يصلح لرواية تخيلة على غرار رواية جمال الغيطاني "ذكرى ما جرى" التي يتخيّل فيها بيع مصر في مزاد علني مع بداية عصر الانفتاح في عهد الرئيس المصري السابق أنور السادات. لكن، للأسف، فهذا عنوان تدوينة تحاول أن تسترجع بالذاكرة ما جرى فعلا على أرض الواقع منذ ذات يوم من 11 سبتمبر 2001، عندما اصطدمت أول طائرة ببرج التجارة العالمي في نيويورك، وتابع العالم على الهواء مباشرة أكبر هجوم على أقوى قوة عسكرية في العالم أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص وإصابة أكثر من ستة آلاف آخرين.
ومنذ ذلك التاريخ تعاقبت أحداث كثيرة، واشتعلت أكثر من حرب أزهقت أرواح الآلاف وهجرت وشردت الملايين، وخربت أكثر من دولة بعد أن دمرتها الحروب ومزقتها النزاعات. حدث كل ذلك من أجل إعادة الاعتبار لهيبة أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم طعنت في عقر دارها، وخدشت هيبتها، وفي تواطؤ عالمي لم يسبق له مثيل، سمح الكل لأمريكا الجريحة أن تنتقم بكل أريحية منتهكة القوانين الدولية وأعراف وقواعد الحروب. لقد تصرفت أمريكا منذ ذلك التاريخ ومازالت مثل فيل جريح هائج تم الزج به داخل متجر للخزف.

وحتى يوم الناس هذا لم يعرف العالم ما جرى فعلا، فكل ما شاهده الناس في ذلك اليوم البعيد كان أقرب إلى مشهد أحد أفلام الخيال العلمي على غرار تلك الأفلام التي تتخيل نهاية العالم. فبالرغم من كل التقارير والدراسات والأبحاث والأفلام والأشرطة ومقاطع الفيديو التي وثقت لانهيار المباني في ذلك اليوم بشكل دقيق، مازال الحدث يلفه الكثير من الغموض، ويدفع المشككين فيمن يقفون ورائه إلى طرح الكثير من الأسئلة المقلقة التي ستبقى معلقة إلى أجل غير مسمى.
وبعيدا عن "نظرية المؤامرة" والتشكيك في وقوف جهة ما أمريكية أو غير أمريكية وراء ذلك الحادث الذي استغلته الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتوظيفه سياسيا في حروب مدمرة وفي أكبر ابتزاز سياسي عالمي لقوى دولية وإقليمية لتنفيذ مخططاتها، ما زالت هناك الكثير من الأسئلة التي لم تجد لها جوابا مقنعا وشافيا حتى في أضخم تقرير رسمي صدر عن الكونغرس الأمريكي يحاول إعادة تركيب الأحداث لرسم صورة حقيقية عما جرى في ذلك اليوم المشئوم.
وبالمقابل، ومن جهة من لم يصدقوا قط بالرواية الأمريكية الرسمية، صدرت العديد من الأبحاث والدراسات والتحليلات التي تطرح أسئلة حقيقية لم تجد لها حتى يومنا هذا أجوبة شافية، من قبيل التساؤل حول الانهيار المفاجئ لبرجين ضخمين في ظرف زمني وجيز انصهر فولاذهما، واستحال الإسمنت المقوى بالحديد الذي بنيا به إلى رماد ودخان، والاختفاء الغامض لطائرة البوينغ الضخمة التي ارتطمت بمبنى البانتاغون، مقر وزارة دفاع أقوى قوى عسكرية في العالم!
وحتى داخل صفوف المواطنين الأمريكيين مازال الكثير منهم يعتقدون أن إدارتهم تخفي عنهم تفاصيل حساسة حول ما جرى في ذلك اليوم الأسود الذي نفذت فيه أكبر عملية إرهابية في تاريخ البشرية.
"نظريات المؤامرة"، هذه ليست جديدة في تاريخ الفكر البشري، فهي وجدت منذ القدم وارتبطت دائما بوجود قوى شريرة تخطط في الخفاء للتحكم في الأحداث وتحويل مسار التاريخ لخدمة مصالحها، وغالبا ما تنطلي هذا "النظرية" على الناس العاديين المستعدين دائما للاقتناع بأن هناك أشخاصا آخرين أقوى منهم يريدون التحكم في مصائرهم لخدمة مصالحهم.
| أمام الحيل والأساليب الملتوية التي أصبحت تلجأ إليها الأنظمة للتحكم برأيها العام وتوجيهه بما يخدم السلطة المتنفذة بالسياسية والاقتصاد، أصبحت بعض نظريات المؤامرة تبدو أكثر مصداقية عندما تغيب الأجوبة عن الأسئلة المشككة بالقصص |
وفي كل "نظريات المؤامرة" التي عرفها تاريخ الفكر البشري، كان أصحابها يجتهدون في جعل قصصهم أكثر قابلية للتصديق من خلال زرع الشك في القصص الأكثر إقناعا، حتى تبدو قصصهم أكثر قابلية للتصديق.
ومع ذلك، لا يجب دائما التعامل مع نظرية المؤامرة كتفكير سطحي بسيط وسخيف، أو النظر إلى أصحابها على أنهم مجانين أو حمقى أو فقط حاقدين، فما يجعل نظريات المؤامرة تنتعش هي الأجواء نفسها التي تولد فيها، فأمام الحيل والأساليب الملتوية التي أصبحت تلجأ إليها الأنظمة للتحكم في رأيها العام وتوجيهه بما يخدم السلطة المتنفذة في السياسية والاقتصاد، أصبحت بعض نظريات المؤامرة تبدو أكثر مصداقية عندما تغيب الأجوبة عن الأسئلة المشككة في القصص التي تستهدفها هذه النظريات.
وبالنسبة إلى أحداث 11 سبتمبر، وبالرغم من مرور 16 عاما على وقوعها، ستظل نظريات المؤامرة تلاحقها تماما مثلما حصل مع حادث اغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي، أو ما رافق حادث نزول أول إنسان على سطح القمر، فمازال هناك حتى اليوم من يشكك في الروايات الرسمية لهذين الحادثين الكبيرين الذين غيرا تاريخ أمريكا وأثرا على مسار أحداث كبرى في العالم حتى يومنا هذا.
فالعقل البشر منذ أن بدأ الإنسان بالتفكير جٌبل على الشك، وحتى الأنبياء شكوا وهم المفروض فيهم أن كلامهم منزلا، وشكوا في قدرة الإله الذي أرسلهم. فإبراهيم، عليه السلام، وهو أبو التوحيد، لم يكن مطمئنا ولا مرتاح البال وطلب من ربه أن يريه كيف يحيى الموتى حتى يطمئن قلبه. لذلك لن تنتهي نظريات المؤامرة التي تشكك فيما جرى في ذلك اليوم العصيب من 9/11 الذي غير تاريخ أمريكا وتاريخ العام، وبالتالي فلن تكتب قط الرواية الحقيقية التي تسترجع ذكرى ما جرى فعلا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

